تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
وبالجملة قال بعض : إنّ الآية عامّة في العقليّات والسمعيّات ، وقال الأكثرون من المفسّرين - وهو الأصحّ - : إنّ المراد من الآية أنّه لا يعذّب أحدا في الدنيا ولا في الآخرة إلَّا بعد البعثة . فتكون الآية خاصّة فيما يتعلَّق بالسمع في الشرعيّات ، وأمّا ما كانت الحجّة فيه من جهة العقل وهو الإيمان باللَّه فإنّه يجوز العقاب بتركه وإن لم يبعث الرسول عند من قال : التكليف العقليّ ينفكّ من السمعيّ . على أنّ المحقّقين منهم يقولون : إنّه وإن جاز التعذيب عليه قبل بعثة الرسل لكنّه سبحانه لا يفعل ذلك ولا يعاقب أحدا حتّى ينفذ المنبّهين إلى الحقّ الهادين إلى الرشد تقوية للحجّة وزوالا للريبة ، وقد أخبر سبحانه في هذه الآية عن هذا الأمر وهذا لا يدلّ على أنّه لو لم يبعث رسولا لم يحسن منه أن يعاقب العبد إذا ارتكب القبائح العقليّة .
قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 16 إلى 22 ] وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ( 16 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِه ِ خَبِيراً بَصِيراً ( 17 ) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَه ُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَه ُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ( 18 ) وَمَنْ أَرادَ الآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 ) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 ) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ( 21 ) لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّه ِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا ( 22 ) اللغة : قرئ « آمرنا » بالمدّ و « أمّرنا » بالتشديد ، وعلى القراءة المشهورة يكون المعنى [ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ ] أهل [ قَرْيَةً أَمَرْنا ] رؤساءهم ومتنعّميهم ومتموّليهم بالطاعة والإيمان واتّباع الرسل أمرا بعد أمر تكريرا عليهم ، وبيّنة بعد بيّنة إعذارا لهم وتوكيدا للحجّة عليهم [ فَفَسَقُوا فِيها ] بالخلاف والتمادي في العصيان [ فَحَقَّ عَلَيْهَا ] الوعيد [ فَدَمَّرْناها ] وأهلكناها إهلاكا . وإنّما خصّ المترفين بالذكر لأنّ غيرهم تبع لهم فيكون الأمر لهم أمرا لأتباعهم فيكون حينئذ قوله : « أَمَرْنا مُتْرَفِيها » جوابا لإذا ، وإليه يؤول ما روي عن ابن عبّاس وسعيد