الإنسان ضجر لا صبر له لا على ضرّاء ولا على سرّاء ، وروي عنه أنّه أراد به آدم عليه السّلام لمّا انتهت النفخة إلى سرّته أراد أن ينهض فلم يقدر فشبّه اللَّه ابن آدم بأبيه في الاستعجال وطلب الشيء قبل وقته ، والقياس في « يدع » بالواو إلَّا أنّه حذف في المصحف عن الكتابة لكن لم يحذف في المعنى لأنّها في موضع الرفع ونظيره « سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ » « 1 » ونظير « وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّه ُ الْمُؤْمِنِينَ » « 2 » ونظير « يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ » « 3 » ولو كان بالواو لكان صوابا أيضا ، هذا كلام الفرّاء .
* ( [ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ] ) * ولمّا ذكر في الآية السابقة النعمة الدينيّة من القرآن والرسول أتبعه بذكر النعم الدنيويّة ، أي كما أنّ القرآن ممتزج من المحكم والمتشابه ، فكذلك الدهر مركّب من الليل والنهار ، فالمحكم كالنهار ، والمتشابه كالليل ، وأردف بذكر الدلائل التوحيديّة وهو عجائب العالم العلويّ والسفليّ أي جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا ، أمّا الدين فمن تغييرهما يستنبط الإنسان على وجود الإله القادر المقدّر لأنّ كونهما متعاقبين على الدوام ومتغيّرين أقوى دليل على أنّهما غير موجودين لذاتهما ، ولا بدّ لهما من فاعل ، وأمّا في الدنيا فلأنّ مصالح الدنيا لا تتمّ إلَّا بالليل والنهار .
* ( [ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ ] ) * بالنهار وآية النهار بالليل يعني طمسنا آية الليل وهي القمر ومحونا نورها * ( [ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ ] ) * أي الشمس * ( [ مُبْصِرَةً ] ) * ونيّرة مضيئة للأبصار يبصر أهل النهار بها ، والمراد من المحو ما لا يبصر كالشئ الممحوّ من الكتاب وآية الليل نفسه وظلمته وآية النهار ضوؤه .
ثمّ بيّن سبحانه الغرض في ذلك فقال : * ( [ لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ] ) * ولتسكنوا وتستريحوا بالليل وتطلبوا المعاش في النهار بأنواع الأمور المباحة ، وهذا الاختلاف فيه فائدة أخرى وهي أنّه تعلمون منه عدد أشهركم وسنينكم وحسابكم بعضكم بعضا لأوقات معاملاتكم وصومكم وصلاتكم وحجّكم وسائر الأمور المتعلَّقة بالأوقات .
هامش
( 1 ) العلق : 18 .
( 2 ) النساء : 145 .
( 3 ) ق : 41 .