قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 13 إلى 15 ] وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناه ُ طائِرَه ُ فِي عُنُقِه ِ وَنُخْرِجُ لَه ُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاه ُ مَنْشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِه ِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 )
المعنى : الإنسان يقع على المذكّر والمؤنّث وإذا أردت الفصل قلت : رجل وامرأة .
وكذلك فرس يقع على المذكّر والمؤنّث ، واشتقاقه من الإنس ، وهو فعلان عند البصريّين ، وعند الكوفيّين هو من النسيان حذفت الياء تخفيفا ، والطائر هاهنا عمل الإنسان شبّه بالطائر الَّذي يسنح ويتبرّك به ، والطائر الَّذي يبرح فيتشاءم به ، وعند العرب أنّه إذا كان الطير سانحا أمكن الرأي وإذا كان بارحا لا يمكنهم بزعمهم ، قال الكميت :
ولا أنا ممّن يزجر الطير همّه
أصاح غراب أم تعرّض ثعلب
وإنّما خصّ العنق بالذكر أي لازم ولاصق العمل بالعنق كلزوم القلادة للعنق ، والعرب يقيم هذا العضو مقام الذات يقال : أعتقت الرقبة ، أي كلّ العبد . يريد أنّ الطوق يزين المحسن والغلّ يشين المسئ فعمل الإنسان شبه الطائر الميمون والطائر المشئوم .
* ( [ وَنُخْرِجُ لَه ُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً ] ) * كتبه الحفظة من أعمالهم يرى ذلك الكتاب مفتوحا * ( [ مَنْشُوراً ] ) * عليه ليقرأه ويعلمه ، والهاء في « له » عائد إلى العامل أو العمل يقال له : * ( [ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ ] ) * أن جعل نفسك محاسبا لنفسك وذلك اليوم يقرأ من لم يكن في الدنيا قارئا .
* ( [ مَنِ اهْتَدى ] ) * في الدنيا إلى دين اللَّه وطاعته فمنفعته اهتدائه راجعة إليه * ( [ وَمَنْ ضَلَّ ] ) * عن الدين في الدنيا فإنّما ضرره وضرر ضلاله راجع إلى نفسه ، ولا تحمل نفس حاملة حمل أخرى وثقل ذنوب غيره أي لا يعاقب أحد بذنوب غيره ، وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول من يقول : إنّ أطفال الكفّار يعذّبون مع آبائهم في النار .
* ( [ وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ ] ) * أي ما نعذّب قوما بعذاب الاستئصال إلَّا بعد الإعذار إليهم والإنذار لهم بأبلغ الوجوه وهو إرسال الرسل إليهم مظاهرة في العقل وإن كان يجوز مؤاخذتهم على العقليّات معجّلا كالإيمان باللَّه .