إنّ اللَّه ألقى الرعب من بني إسرائيل في قلوب المجوس ، فلمّا كثرت معاصيهم أزال الرعب عن قلوب المجوس فقصدوهم وبالغوا في قتلهم وإهلاكهم .
وحاصل الكلام أنّ إضافة هذا الفعل من حيث الأمر جزاء على فعلهم والمراد من هذا البعث التخلية وعدم المنع وهذه التخلية بسبب إقدامهم على الفساد وسوء اختيارهم ، فوقع الأمر جزاء أو عقوبة .
قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 7 إلى 8 ] إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوه ُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ( 7 ) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ( 8 )
شرح اللَّه في الآية بأن إذا أطعتم فقد أحسنتم إلى أنفسكم وإن أصررتم على المعصية والكفر فقد أسأتم على أنفسكم ، أي إذا أطعتم يفتح اللَّه لكم أبواب الخيرات والبركات وإذا خالفتم يفتح اللَّه لكم أبواب العقوبات . ومعنى « فلها » أي فإليها وعليها ، وحروف الإضافة والنسبة يقوم بعضها مقام بعض كقوله : « بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها » « 1 » أي أوحى إليها . وإنّما قال : « فَلَها » للتقابل وذكر الإحسان في الآية مرّتان والإساءة مرّة إشعارا بأنّ جانب الرحمة غالب على جانب العقوبة .
قوله : * ( [ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ ] ) * معناه وعد المرّة الأخيرة وهي إقدامهم على قتل يحيى * ( [ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ ] ) * وإنّما عزّ الإساءة إلى الوجوه لأنّ آثار الأعراض النفسانيّه الحاصلة في القلب إنّما تظهر على الوجه ، فحسنت النسبة إلى الوجوه ، لأنّ المبعوثين هم الَّذين يسوؤنهم بالقتل والأسر فتبيّن أوّلا هذا الأثر في الوجه . وقرئ « ليسوء » بفتح الهمزة ، وقرئ بالنون « لنسوء » والقراءة المشهورة « ليسوؤا » بقرينة « وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ » أي مسجد بيت المقدس ونواحيه .
أي وليستولوا على البلد لأنّه لا يمكنهم دخول المسجد إلَّا بعد الاستيلاء على البلد * ( [ كَما دَخَلُوه ُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ] ) * أولئك * ( [ وَلِيُتَبِّرُوا ] ) * ويدمّروا ما غلبوا ويهلكوا من بلادكم
هامش
( 1 ) الزلزلة : 5 .