تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
لمّا ذكر في الآية السابقة إكرامه محمّدا بالإسراء ذكر في هذه الآية إكرام موسى بالكتاب يعني التوراة ، وجعلنا بواسطة التوراة خروج بني إسرائيل من ظلمات الجهل إلى هداية الإيمان ، وقلنا لهم : لا تتّخذوا غيري ربّا ، وقرئ « يتّخذوا » بالياء . وفي هذه الآية صنعة الالتفات وصنعة الالتفات كقوله تعالى : « وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا » « 1 » فكذلك الصرف من الغيبة إلى الخطاب والنهي بقوله : « أَلَّا تَتَّخِذُوا » وحاصل الكلام من ذكر تشريف محمّد بالإسراء ومن تشريف موسى بالتوراة وحاصل هذا التشريفات والهدايات التمحّض في التوحيد والنهي عن الاتّكال بغير اللَّه . ثمّ قال سبحانه : * ( [ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ] ) * وفي نصب ذرّيّة قولان : قيل : منصوب على النداء يعني لا تتّخذوا يا ذريّة من حملنا مع نوح في السفينة لأنّ الناس كلَّهم ذرّيّته لأنّه كان معه في السفينة سام وحام ويافث كقوله : « يا أَيُّهَا النَّاسُ » « 2 » . وقيل : النصب على المفعوليّة والتقدير : لا تتّخذوا ذرّيّة نوح من دوني تكلون إليهم أموركم أي لا تكلون أموركم إلى غير اللَّه . ثمّ وصف نوحا بالشكر وقال : * ( [ إِنَّه ُ كانَ عَبْداً ] ) * كثير الشكر ، وروي أنّه عليه السّلام كان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به ، فإن وجده محتاجا آثره به ، وروي أنّه عليه السّلام كان إذا أكل قال : الحمد للَّه الَّذي أطعمني ولو شاء أجاعني ، وإذا شرب قال : الحمد للَّه الَّذي أسقاني وإن شاء أظمأني ، وإذا اكتسى قال : الحمد للَّه الَّذي كساني ولو شاء أعراني ، وإذا احتذى قال : الحمد للَّه الَّذي حذاني ولو شاء أحفاني . ووجه ملاءمة الآية لما قبله تفسير لما قال تعالى : « أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا » ووحّدوني ، وأنّ العبد لو يرى حصول نعمة وشكر ربّه ولا يرى تلك النعمة إلَّا من فضل اللَّه فوحّده فقال : اقتدوا به ووحّدوني ولا تشركوا بي شيئا .
قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 4 إلى 6 ] وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ( 4 ) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا ( 5 ) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ( 6 )
هامش
( 1 ) ص : 6 . ( 2 ) الحج : 1 .