حصول حركة سريعة إلى هذا الحدّ يلزمهم القول بامتناع نزول جبرئيل في اللحظة الواحدة من العرش إلى مكّة ، ولمّا كان ذلك باطلا كان ما ذكروه باطلا .
فإن قالوا : نحن لا نقول : إنّ جبرئيل جسم ينتقل من مكان إلى مكان وإنّما نقول : المراد من نزول جبرئيل هو زوال الحجب الجسمانيّة عن روح محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله حتّى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجلَّيا في ذات جبرئيل .
قلنا : تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء وأمّا جمهور أهل الإسلام مطلقا فهم مقرّون أنّ جبرئيل جسم وأنّ نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك إلى مكّة كما أنّ الَّذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس مع حجمه من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر ، وإذا كان هذا ممكنا كان ذاك ممكنا على أنّ الأمور الإعجازيّة لا بدّ وأن يكون خارجة عن الطبيعة العاديّة وإلَّا لم يكن معجزة كما في عصا موسى ، فلمّا صحّ حصول مثل هذه الحركة السريعة في بعض الأجسام صحّ إمكانها في سائر الأجسام والأجسام متماثلة في تمام الماهيّات ، وإذا كانت الرياح تسير بسليمان إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة كما قال سبحانه : « غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ » « 1 » فكيف لا يتعقّل أنّ البراق مع أمر اللَّه أقلّ قوّة من الهواء المتموّج .
وعلى قول من يقول : الحيوان إنّما يبصر المبصرات لأجل أنّ الشعاع يخرج من عينيه ويتّصل بالمبصر في لحظة واحدة وهذا الأمر من الحسّيّات فالَّذي أودع في إنسان العين هذه القوّة السريعة أسرى بعين الإنسان أعني أحمد صلَّى اللَّه عليه وآله هذا السرى ، وفي هذا المقدار من البيان كفاية لمن أسلم وجهه لقدرة اللَّه فثبت أنّ هذا الأمر ممكن الوجود في نفسه وقد نطق به الكتاب والسنّة وأقصى ما في الباب أنّه من العجائب فانقلاب عصى صغيرة ثعبانا يبلع سبعين ألف حبلا وخروج الناقة العظيمة من الجبل الأصمّ أيضا عظيم ، فيلزم للمنكر بفساد القول بجميع المعجزات والنبوّات .
قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 2 إلى 3 ] وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناه ُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ( 2 ) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّه ُ كانَ عَبْداً شَكُوراً ( 3 )
هامش
( 1 ) سبا : 12 .