أي بعد عقدها وإبرامها وتوثيقها باسم اللَّه وتشديدها بالعزم والعقد على اليمين بخلاف لغو اليمين .
قوله : * ( [ وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّه َ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ] ) * أي جعلتم اللَّه حسيبا فيما عاهدتموه عليه وذلك أنّ من حلف باللَّه فكأنّه أكفل اللَّه بالوفاء بما حلف * ( [ إِنَّ اللَّه َ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ] ) * من نقض العهد والوفاء به .
وهذه الآية نزلت في الَّذين بايعوا النبيّ على الإسلام فقال سبحانه للمسلمين الَّذين بايعوه : لا يحملنّكم قلَّة المسلمين وكثرة المشركين على نقض البيعة أي أثبتوا على ما عهدتم عليه الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله . وقيل : نزلت في قوم حالفوا قوما فجاءهم قوم آخر وقالوا : نحن أكثر عددا وأقوى ، فنقضوا ذلك العهد .
قوله : * ( [ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها ] ) * أي لا تكونوا كالمرأة الَّتي غزلت ثمّ نقضت غزلها * ( [ مِنْ بَعْدِ ] ) * فتلها وإصرارا وإبراما . وهي امرأة حمقاء مشهورة بالحمق كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ، ثمّ تأمرهنّ أن ينقضن ما غزلن ولا يزال دأبها ، واسمها ريطة بنت عمر بن كعب ، وكانت تسمّى خرقاء مكّة . و * ( [ أَنْكاثاً ] ) * أي جعلت غزلها أنكاثا وأقطاعا وأجزاء أي ردّت المغزولة بعد الغرل بحالة الصوفيّة و « أَنْكاثاً » إمّا مفعول ثان لنقضت أو حال .
وقوله * ( [ تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ] ) * أي تجعلون يمينكم خيانة ومكرا لأنّهم كانوا حين يعاهدون ويحلفون يضمرون الخيانة والناس يسكنون إلى عهدهم .
وقوله : * ( [ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ ] ) * أي لا تنقضوا العهد بسبب أن تكونوا أعلى وأقوى وأكثر من قوم ، أي لا تجعلوا أيمانكم سببا لخديعة ومكر في أموركم لمداراة مقاصدكم بل عليكم الوفاء بالعهد واليمين و * ( [ إِنَّما ] ) * يختبركم * ( [ اللَّه ُ ] ) * بالأمر بالوفاء . والهاء في « به » على الأمر بالوفاء وهذا الاختبار ليقع الجزاء بحسب العمل . وليفصّلنّ * ( [ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ ] ) * في صحّته * ( [ تَخْتَلِفُونَ ] ) * .
* ( [ وَلَوْ شاءَ اللَّه ُ لَجَعَلَكُمْ ] ) * كلَّكم مهتدين ، ويعني بالمشيئة القدرة على سبيل الإلجاء * ( [ وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ] ) * بالخذلان وبالحكم على الضلال بسبب سوء اختيارهم واستحقاقهم
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 192
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٩٢