فلمّا رأينا أنّ الأعقل أقلّ نصيبا والأخسّ والأجهل أوفر نصيبا علمنا أنّ ذلك بقسمة القسّام كما قال سبحانه : « نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » . « 1 » قال الشافعيّ :
ومن الدليل على القضاء وكونه
بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
وهذا التفاوت غير مختصّ بالمال بل في الذكاء والبلادة ، والحسن والقبح ، والعقل والحمق ، والصحّة والسقم ، وبالجملة وسّع سبحانه على بعض وقتر على بعض على حسب المصلحة .
قوله : * ( [ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي ] ) * أي بجاعلي * ( [ رِزْقِهِمْ ] ) * في المعنى قولان :
أحدهما أنّ الخلق لا يشركون عبيدهم وأزواجهم في أموالهم حتّى يكونوا سواء ، ويرون ذلك نقصا فلا يرضون لأنفسهم هذا الأمر فكيف يشركون عبدي ومخلوقي في ملكي وسلطاني ، ويوجّهون العبادة إليهم ؟ وكيف أنتم أيّها النصارى تشركون عيسى عبدي معي شريكا في العبادة ؟ قيل : نزلت في نصارى نجران .
والمعنى الثاني أنّ الَّذين فضّلهم اللَّه في الرزق من الأحرار لا يرزقون مماليكهم ، بل اللَّه رازق المالك والمملوك لأنّ الَّذي ينفقه المولى على المملوك إنّما ينفقه ممّا رزقه اللَّه فاللَّه رازقهم جميعا .
* ( [ فَهُمْ فِيه ِ سَواءٌ ] ) * أي المالك والمملوك في ذلك الرزق . ولمّا كان المعطي لكلّ الخيرات والرزق هو اللَّه فمن أثبت شريكا للَّه فقد أضاف إليه بعض تلك الخيرات فكان جاحدا لكونها من عند اللَّه كما أنّ أهل الطبائع وأهل النجوم يضيفون أكثر هذه النعم إلى الطبائع وإلى النجوم وهذا معنى * ( [ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّه ِ يَجْحَدُونَ ] ) * .
قوله : * ( [ وَاللَّه ُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ] ) * وهذا نوع آخر في تعداد نعم اللَّه على عبيده ، المراد أنّه سبحانه خلق حوّاء ابتداء ثمّ الحكم عامّ في جميع الذكور والإناث أي إنّه خلق النساء من أنفسكم وأصلكم وسنخكم ليتزوّج بهنّ الذكور ، ومن أنفسكم أي بعضكم من بعض .
قال الطبيعيّون : إنّ المنيّ إذا انصبّ إلى الحصّة اليمنى من الذكر وانصبّ منها إلى الجانب الأيمن من الرحم كان النسل ذكرا تامّا في الذكورة ، وإن انصبّ إلى الحصّة
هامش
( 1 ) الزخرف : 32 .