قال الرازيّ : وهذا القول ضعيف جدّا لأنّا نقول : إنّ الحرارة الغريزيّة في بدن الإنسان الكامل إمّا أن يكون هي عين ما كان حاصلا في جوهر النطفة أو صارت أزيد ممّا كانت والأوّل باطل ، لأنّ الحارّ الغريزيّ الحاصل في جوهر النطفة كان بمقدار جرم النطفة ولا شكّ أن جرمها كان قليلا صغيرا فهذا البدن بعد كبره لو لم يحصل فيه من الحرارة الغريزيّة إلَّا ذلك القدر كان في غاية القلَّة ولم يظهر فيه أثر في هذا البدن أصلا ، وأمّا الثاني بأنّ الحرارة الغريزيّة تتزايد بحسب تزايد الجثّة والبدن وإذا تزايدت الحرارة الغريزيّه ساعة فساعة وثبت أنّ تزايدها موجب تزايد القوّة والصحّة ساعة فساعة فوجب أن يبقى البدن الحيوانيّ أبدا في التزايد والتكامل ، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أنّ ازدياد حال البدن الحيوانيّ وانتقاصه ليس بحسب الطبيعة بل بسبب الفاعل المختار .
قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 71 إلى 74 ] وَاللَّه ُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيه ِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّه ِ يَجْحَدُونَ ( 71 ) وَاللَّه ُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّه ِ هُمْ يَكْفُرُونَ ( 72 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 73 ) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّه ِ الأَمْثالَ إِنَّ اللَّه َ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 74 )
وهذا بيان آخر من أحوال الإنسان حال حياته وذلك أنّا نرى أكيس الناس وأكثرهم فهما وعقلا يفنى عمره في طلب القدر القليل من المال ولا يتيسّر له ذلك ، ونرى أجهل الناس وأقلَّهم عقلا تنفتح عليه أبواب الدنيا ، وكلّ شيء خطر بباله فإنّه يحصل له في الحال ولو كان السبب جهد الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أغنى وأفضل ، لكنّ الأمر ليس كذلك قال المتنبّي :
بالجدّ لا بالمساعي يدرك الشرف
تمشي الجدود أقوام وإن قعدوا
وقال ابن الراونديّ :
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه
وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا