لأنّ الغرض من هذا البيان أن يحتجّ المكلَّف به على قدرة اللَّه وحسن تدبيره فكأنّه عدل عن خطاب النحل بما سبق ذكره وخاطب الإنسان أي إنّا ألهمنا النحل بذلك الترتيب لأجل أن يخرج من بطونها * ( [ شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُه ُ ] ) * والمراد من بطونها أي من أفواهها وكلّ تجويف في داخل البدن فإنّه يسمّى بطنا ألا ترى أنّهم يقولون : بطون الدماغ . هذا على معنى القسم الأوّل وعلى معنى القسم الثاني بكونها تقيء ، فالمعنى على سبيل الحقيقة وكونه شراب معلوم لأنّه تارة يشرب وحده وتارة يتّخذ منه الأشربة ، وكونه مختلف اللون منه أحمر وأصفر وأبيض .
والمقصود من هذا الكلام إبطال القول بالطبع لأنّ هذا الجسم مع كونه متساوي الطليعة لمّا حدث على الألوان المختلفة دلّ على أنّ حدوث تلك الألوان بتدبير الفاعل المختار لا لأجل الطبيعة لأنّ الطبيعة الواحدة لا تختلف . « 1 »
قوله : * ( [ فِيه ِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ] ) * وفيه قولان : الأوّل - وهو الصحيح - أنّه صفة للعسل ، فإن قيل : كيف يكون شفاء للناس وهو يضرّ بالصفراء ويهيّج المرار ؟ قلنا : إنّه لم يقل لكلّ الناس ولمّا كان شفاء للبعض صلح بأن يوصف . والقول الثاني أنّ الضمير عائد إلى القرآن وعلى هذا المعنى فقصّة النحل تمّت عند قوله : « يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُه ُ » ثمّ ابتدأ وقال : « فِيه ِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ » أي في هذا القرآن ما هو شفاء للناس من الكفر والبدعة .
ويؤيّد قول من قال : إنّ الضمير عائد إلى العسل ما روي عن أبي سعيد الخدريّ أنّه جاء رجل إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وقال : إنّ أخي يشتكي بطنه فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : اسقه عسلا .
فذهب الرجل ورجع وقال : قد سقيته فلم يغن عنه شيئا ، فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : اذهب واسقه عسلا .
فذهب فسقاه فكأنّما نشط من عقال فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : صدق اللَّه وكذب بطن أخيك . وحملوا قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : على قوله تعالى : « فِيه ِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ » .
قوله : * ( [ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ] ) * أي إنّ في تلك الدقائق والمعارف دلالات على وجود الواحد الأحد المدبّر للأمور لمن تفكّر واعتبر .
هامش
( 1 ) اختلاف الألوان ناش عن صغر النحل وكبرها . والدليل على اللَّه اظهر من أن نحتاج إلى هذه التكلفات .