وإنّما سمّي هذا الحيوان نحلا لأنّ اللَّه سبحانه نحل الناس العسل الَّذي يخرج منها ، والنحل يذكّر ويؤنّث ، وبلغة أهل الحجاز مؤنّثة وكذلك كلّ جمع ليس بينه وبين واحده إلَّا الهاء .
وبالجملة قوله : « ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ » اعلم أنّ اللَّه تعالى دبّر هذا العالم على وجه لطيف كلَّه ، مثلا يحدث في الهواء أحيانا طلّ لطيف في الليالي ويقع ذلك الطلّ على أوراق الأشجار وأزهارها وتكون تلك الأجزاء الطلَّيّة صغيرة متفرّقة على الأزهار والأوراق بحيث لا يرى ، وقد تكون كثيرة بحيث يجتمع منها أجزاء محسوسة كالترنجبين والمنّ ، والقسم الأوّل من الطلّ فهو الَّذي ألهم اللَّه هذا النحل حتّى تلتقط تلك الذرّات غير المرئيّة في الأزهار بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها فإذا شبعت التقطت مرّة أخرى من تلك الأجزاء وذهبت بها إلى بيوتها ووضعتها هناك مدّخرة لنفسها غذاءها فإذا اجتمعت المدّخرة فذاك هو العسل .
ومن الناس من يقول : إنّ النحل يأكل من تلك الأجزاء الطلَّيّة من الأزهار والأوراق العطيرة أشياء ثمّ إنّه تعالى يقلَّب المأكول في داخل بدنها عسلا ثمّ إنّها تقيء مرّة أخرى فذاك هو العسل ، والقول الأوّل أقوى لأنّ طبيعة الترنجبين أقرب من العسل لأنّا نشاهد أنّ هذا النحل إنّما يتغذّى بالعسل ، ولذلك أنّا إذا استخرجنا العسل من بيوت النحل نترك لها بقيّة من ذلك لأجل أن يتغذّى بها .
فقوله : « كُلِي » معناه ثمّ كلي من كلّ ثمرة تشتهينها من هذه الأجزاء الطلَّيّة على الأزهار فإذا أكلتها فاسلكي في طريق الَّذي ألهمك اللَّه وذلَّل ذلك الطريق وسخّره لك .
وقيل : إنّ « ذُلُلًا » حال عن النحل لا عن الطريق أي فاسلكي منقادة ومقهورة لأمر ربّك هذا ، وإنّ اللَّه سبحانه جعل لنظم العالم لكلّ فئة وجماعة يعسوبا هو آمرها يقدّمها ويحامي عنها ويسوسها ، والجماعة تتبعه وتقتفي أثره ومتى فقدته انحلّ نظامها وتفرّقت شذر مذر ، وإلى هذا المعنى أشار عليّ عليه السّلام وقال : أنا يعسوب المؤمنين .
ثمّ قال : * ( [ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها ] ) * وهذا الكلام رجوع من الخطاب إلى الغيبة للالتفات
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 178
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٧٨