تتولَّد في موضع واحد وبداهة العقل يحكم بأنّ هذه الكيفيّات المختلفة المتفاوتة المتضادّة ، لا تحصل إلَّا بتدبير الفاعل الحكيم والمدبّر الرحيم .
قوله : * ( [ وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ] ) * أي ألهمها ، والوحي على وجوه : منها وحي النبوّة ، ومنها الإلهام كقوله : « وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى » « 1 » ومنها الإشارة كقوله : « فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا » « 2 » وأصل الوحي عند العرب أن يلقي الإنسان إلى صاحبه شيئا بالإخفاء والاستتار . والمعنى : ألهم اللَّه النحل اتّخاذ المنازل والمساكن والأوكار والبيوت في الجبال والشجر بيوتا * ( [ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ] ) * ويسقفون من الكروم وأمثالها لأجل الخلايا الَّتي تعسل فيها . وإنّما أتى بلفظ الأمر وإن كانت النحل ممّا لا يعقل الأمر اتّساعا .
قوله : * ( [ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ] ) * فانظر أيّها الإنسان إلى هذه الدلائل كيف يهديك إلى معرفة الخالق ؟ ! لأنّه سبحانه بيّن إخراج الألبان من النعم بذلك الترتيب المذكور ، ثمّ إخراج السكر والرزق الحسن من الأثمار ، ثمّ إخراج العسل من هذا الحيوان الضعيف بهذا الترتيب الَّذي ينبّه بأنّها تبني البيوت من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض ، والعقلاء من البشر لا يمكنهم مثل تلك البيوت إلَّا بآلات وأدوات كالمسطر والفرجار .
وقد ثبت في الهندسة أنّ تلك البيوت لو كانت مشكّلة بأشكال سوى المسدّسات فإنّه كان يبقى بالضرورة فيما بين تلك البيوت فرج خالية ضائعة ، فإهداء هذا الضعيف إلى هذه الحكمة الخفيّة ليس إلَّا بإلهام الخالق الحكيم .
ثمّ إنّ النحل يحصل فيما بينها واحد يكون كالرئيس للبقيّة وهو عظيم الجثّة ونافذ الحكم على البقيّة وهم يخدمونه ويحملونه عند الطيران ، وذلك من الأعاجيب ، ثمّ إنّها قد تنفر من وكرها وتذهب مع الجمعيّة إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطنبور والآلات الموسيقيا وبواسطة تلك الألحان يقدرون على عودها ، وهذه حالة عجيبة فمعنى الوحي بالنسبة إلى الموحى إليه معنى خاصّ .
هامش
( 1 ) القصص : 7 .
( 2 ) مريم : 11 .