قال الطبرسيّ : وقد أخطأ من تعلَّق بهذه الآية في تحليل النبيذ لأنّه سبحانه إنّما أخبر أنّه خلق هذه الثمار لينتفعوا بها فاتّخذوا منها ما هو محرّم عليهم ، ولا فرق بين قوله هذا وبين قوله : « تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ » « 1 » .
* ( [ إِنَّ فِي ذلِكَ ] ) * وهذه الأحوال لا يقدر عليها إلَّا إله ، فيحصل بالتفكّر فيها حجّة لمن تفكّر وتعقّل .
وهاهنا تحقيق وهو أنّه أنّ اللبن والدم يتولَّدان في الكرش بمادّتهما ولذلك ما ترى في كرشها دما ولا لبنا ولكنّ الحيوان إذا تناول الغذاء وصل ذلك الغذاء إلى معدته إن كان إنسانا وإلى كرشه أن كان من الأنعام فإذا طبخ وحصل الهضم الأوّل فما كان صافيا انجذب إلى الكبد ، وما كان كثيفا نزل إلى الأمعاء ، ثمّ ذلك المجذوب منه في الكبد ينضج وينطبخ في الكبد ويصير دما ، وذلك هو الهضم الثاني ، ويكون ذلك الدم مخلوطا بالصفراء والسوداء وزيادة المائيّة ، فما كان من الصفراء فيذهب إلى المرارة ، وما كان من السوداء فيذهب إلى الطحال ، وما كان من الماء فيذهب إلى الرئة والكلية ومنها إلى المثانة وما صفى من الدم فإنّه يدخل في الأوردة وهي العروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث ، وبين الكبد والضرع عروق كثيرة فيصبّ الدم من تلك العروق إلى الضرع ، والضرع لحم غدديّ رخو أبيض فيقلَّب اللَّه الدم عند انصبابه إلى ذلك اللحم الأبيض الغدديّ الرخو من صورة الدم إلى صورة اللبن .
فإن قيل : هذه المعاني حاصلة في الحيوان الذكر ، فلم لم يحصل منه اللبن ؟ لأنّ مزاج الذكر من كلّ حيوان يجب أن يكون حارّا يابسا ومزاج الأنثى باردا رطبا والحكمة فيه أنّ الأنثى لا بدّ من مزيد الرطوبة ورطوبة كثيرة لتولَّد الولد ولولا الرطوبة الكثيرة غالبة لما كان بدن الأمّ قابلا لتمدّد الولد وما كان يحصل الاتّساع لأن يكبر الولد ، ثمّ إنّ الرطوبات تصير مادّة لنموّ بدن الجنين فحينئذ عند انفصال الجنين تنصبّ إلى الثدي والضرع لتصير مادّة لغذاء الطفل فالسبب الَّذي لأجله يتولَّد اللبن من الدم في الأنثى غير حاصل في الذكر فظهر الفرق . فالمراد من قوله : « مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ » يعني هذه الثلاثة
هامش
( 1 ) السورة : 92 .