والجواب أنّه ثبت بالدليل والنصّ أنّ كلّ الناس ليسوا ظالمين لأنّه تعالى قال :
« ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِه ِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ » « 1 » ولو كان المقتصد والسابق ظالما لفسد ذلك التقسيم ، فعلم أنّ المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين ، ولا يجوز أن يقال : كلّ الخلق ظالمون .
وبالجملة المعنى : أخبر سبحانه أنّه لو كان يؤاخذ الكفّار والعصاة ويعاجلهم بالعقوبة لما ترك على ظهر الأرض من الظالمين من أحد ولكن يمهلهم ويؤخّرهم إلى وقت معلوم مسمّى وهو يوم القيامة أو وقت لا يكون في بقائهم مصلحة كما إذا كان يعرف أنّهم لا يؤمنون ولا يخرج من نسلهم مؤمن ، وإنّما يؤخّرهم تفضّلا منه سبحانه ليراجعوا التوبة أو لما في ذلك من المصلحة .
قالت المعتزلة : إنّ الآية صريحة على أنّ الظلم والمعاصي ليست فعلا للَّه بل يكون أفعال العباد لأنّه تعالى أضاف ظلم العباد إليهم وما أضافه إلى نفسه فلو كان خلقا للَّه لكانت مؤاخذتهم لها ظلما من اللَّه تعالى ، ولمّا منع اللَّه الظلم عن العباد فبأن يكون سبحانه منزّها عن الظلم أولى .
ويدلّ أيضا دليل آخر على هذا المعنى وهو أنّ أعمالهم مؤثّرة في وجوب الثواب والعقاب .
وهاهنا مسألة : وهي أنّ الَّذي معلوم من حاله أنّه لا يؤمن فيما بعد هل يجوز اخترامه « 2 » أولا ؟ فقال بعض : يجوز لأنّ التكليف تفضّل فلا تجب التبقية ، وهو قول أبي هاشم وإليه ذهب المرتضى قدّس روحه . وقال آخرون : لا يجوز اخترامه ويجب تبقيته ، وهو قول البلخيّ وأبي عليّ الجبّائيّ وإليه ذهب الشيخ المفيد أبو عبد اللَّه .
فلو قيل : إنّ الظالم يستحقّ العقوبة بظلمه فما بال الحيوانات تؤخذ بغير جرم كزمان نوح مثلا ؟ لأنّ الظالم يظلم نفسه وغيره حتّى أنّ الحبارى تهلك في أو كارها بظلم الظالم .
فالجواب أنّه لها كالأمراض النازلة بالأولياء وغير المكلَّفين فيعوّضون عنها ، ثمّ إنّها
هامش
( 1 ) فاطر : 32 .
( 2 ) الاخترام : الإهلاك .