وإنّما أنكروا البعث بزعمهم يدّعون بالعلم الضروريّ بأنّ الشيء إذا فنى وصار عدما محضا ونفيا صرفا فإنّه بعد العدم لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئا آخر ، والحال في أمر القدرة أنّ البنية ليست شرطا في الإيجاد وأنّه تعالى كونه موجدا للأشياء ومكوّنا لها لا يتوقّف على سبق مادّة ولا مدّة ولا آلة وإنّما يكوّنها بمحض مشيئته وقدرته فقال :
* ( [ إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه ُ أَنْ ] ) * يكون * ( [ نَقُولَ لَه ُ كُنْ فَيَكُونُ ] ) * ولا يتعذّر عليه سبحانه شيء .
ولو قال قائل : إنّ قوله : « كُنْ » إن كان خطابا مع المعدوم فهو محال وإن كان خطابا مع الموجود كان أمرا بتحصيل الحاصل .
فالجواب أنّ هذا تمثيل لنفي الكلام من تعقّلاتهم وليس خطابا للمعدوم لأنّ ما أراد اللَّه كائن ، والغرض من الإيجاد الإسراع بالإرادة كقوله : « وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ » « 1 » .
قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 41 إلى 44 ] وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّه ِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 ) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 )
نزلت الآية الأولى في المعذّبين بمكّة مثل صهيب وعمّار وبلال وخباب وغيرهم مكّنهم اللَّه بالمدينة ، وذكر أنّ صهيبا قال لأهل مكّة : أنا رجل كبير إن كنت معكم لم ينفعكم وإن كنت عليكم لم يضرّكم فخذوا مالي ودعوني فأعطاهم ماله وسار إلى رسول اللَّه فقال له بعض أصحاب النبيّ : ربح البيع يا صهيب .
المعنى : * ( [ وَالَّذِينَ ] ) * فارقوا أوطانهم وديارهم فرارا بدينهم واتّباعا لنبيّهم في سبيله * ( [ مِنْ بَعْدِ ما ] ) * ظلمهم المشركون وعذّبهم الكافرون وبخسوا حقوقهم * ( [ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ] ) * وننزلنّهم بلدة * ( [ حَسَنَةً ] ) * بدل أوطانهم وهي المدينة أو لنعطينّهم حالة حسنة * ( [ وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ ] ) * ممّا أعطيناهم في الدنيا . وهذا صهيب هو الَّذي قال عمر في حقّه : نعم الرجل صهيب لو لم يخف اللَّه
هامش
( 1 ) القمر : 50 .