لمّا ذكر سبحانه عالم الحياة والموت والبعث في الآية السابقة عقّبه ببيان النشأة الأولى فقال :
* ( [ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ ] ) * يعني آدم من طين يابس متصلصل أي له صوت يسمع عند النقر ويقعقع . وقيل : طين صلب يخالطه الكثيب . وقيل : منش * ( [ مِنْ حَمَإٍ ] ) * متغيّر إلى السواد * ( [ مَسْنُونٍ ] ) * أي مصبوب كأنّه افرغ كما يصبّ الذهب والفضّة .
واعلم أنّه ثبت بالدلائل والبراهين أنّه يمتنع القول بوجود حوادث لا أوّل لها وإذا ثبت هذا ظهر وجوب انتهاء الحوادث إلى حادث أوّل هو أوّل الحوادث ، وإذا كان كذلك فلا بدّ انتهاء الناس إلى إنسان هو أوّل الإنسان ، فذلك الإنسان الأوّل غير مخلوق من الأبوين فيكون مخلوقا لا محالة بقدرة اللَّه .
فقوله : « خَلَقْنَا الإِنْسانَ » إشارة إلى ذلك الإنسان الأوّل ، والمفسّرون أجمعوا على أنّ المراد منه هو آدم عليه السّلام ونقل حديث عن محمّد بن عليّ الباقر عليهما السّلام أنّه قال : قبل آدم الَّذي هو أبونا قد انقضى ألف ألف آدم أو أكثر . وهذا لا يقدح في حدوث العالم بل الأمر كيف كان فلا بدّ من الانتهاء إلى إنسان أوّل هو أوّل الناس . واعلم أنّ الجسم محدث فوجب القطع بأنّ آدم وغيره من الأجسام يكون مخلوقا عن عدم محض ، فحينئذ بيّن أنّه خلقه أوّلا من تراب ثمّ من طين ثمّ من حمأ مسنون ثمّ من صلصال يتصلصل وهو غير مطبوخ وإذا طبخ فهو فخار .
قال المفسّرون خلق اللَّه آدم من طين فصوّره وتركه في الشمس أربعين سنة ، فصار صلصالا يتقرقع كالخزف مصوّر بهذه الصورة الحسنة إلى أن نفخ فيه الروح فكانت الريح
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 136
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٣٦