وإنّما دعا إبراهيم بهذا الدعاء لمّا فرغ من بناء الكعبة ، وإنّما ذكر البلد هنا معرّفا وفي البقرة منكّرا ، لأنّ النكرة إذا تكرّرت وأعيدت صارت معرفة ، ومثله : « مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ » « 1 » فاستجاب اللَّه دعاءه حتّى كان الإنسان يرى قاتل أبيه فيها فلا يتعرّض له ويدنو الوحوش فيها من الناس فيأمن منهم .
قوله : * ( [ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ ] ) * أي والطف لي ولبنيّ لطفا نجتنب به عن عبادة الأصنام وكان سؤاله مخصوصا بمن علم اللَّه من حاله أن يكون مؤمنا لا يعبد إلَّا اللَّه وقد أذن له في الدعاء لأنّ النبيّ لا يدعو بدعاء بغير إذن اللَّه ، واستجاب دعاءه فيهم .
* ( [ رَبِّ ] ) * إنّ الأصنام بسببهنّ وعبادتهنّ ضلّ كثير من الناس كما يقال فتنتي فلانة وفلان أضلّ بعيره أي ضلّ بعيره لأنّ أحدا لا يضلّ بعيره قاصدا إلى إضلاله * ( [ فَمَنْ تَبِعَنِي ] ) * من ذرّيّتي الَّذي أسكنتهم هذا البلد على ديني في عبادة اللَّه وحاله كحالي * ( [ وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ ] ) * ساتر على العباد معاصيهم * ( [ رَحِيمٌ ] ) * بهم .
ثمّ قال إبراهيم : * ( [ رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ ] ) * بعض أولادي أي إسماعيل مع امّه هاجر وهو أكبر ولده ، وروي عن الباقر أنّه قال : نحن بقيّة تلك العترة ، وقال عليه السّلام : كانت دعوة إبراهيم لنا خاصّة * ( [ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ] ) * يريد وادي مكّة وهو الأبطح لأنّه يومئذ لم يكن بها زرع ولا ضرع * ( [ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ] ) * لأنّ البيت قد كان قبل ذلك وقد خربه طسم وجديس أو رفعه اللَّه إلى السماء أيّام الطوفان وإنّما سمّاه اللَّه محرّما لأنّه حرّم فيه ما احلّ في غيره من البيوت من الجماع والملابسة بشيء من الأقذار والدماء . وقيل :
معناه : العظيم الحرمة .
* ( [ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ] ) * أي أسكنتهم هذا الوادي ليداوموا على الصلاة ويقيموا بشرائطها * ( [ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ] ) * هذا سؤال من إبراهيم أن يجعل اللَّه قلوب الخلق تحنّ إلى ذلك الموضع ليكون ذلك انسا لذرّيّته بمن يرد عليهم من الوفود ، إمّا للدين كالحجّ والعمرة وإمّا للتجارة ، وروي عن مجاهد أنّه قال : إنّ إبراهيم لو قال : « أفئدة الناس » لازدحمت عليه فارس والروم . قال سعيد بن جبير : لو قال : « أفئدة الناس » لحجّت اليهود
هامش
( 1 ) النور : 35 .