تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
واللَّه هو المنشئ للرياح * ( [ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهارَ ] ) * الَّتي تجري بالمياه الَّتي ينزلها من السماء وتجريها في الأودية وينصبّ منها في الجداول ولولا النهار لما انتفع الناس من المياه دائما وذلَّل لمنافعكم * ( [ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ] ) * في سيرهما لتنتفعوا بضوء الشمس نهارا وبضوء القمر ليلا وليبلغ به الثمار والنبات في النضج الحدّ الَّذي عليه يتمّ النعمة * ( [ دائِبَيْنِ ] ) * ومستمرّين لا يفتران * ( [ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ] ) * ومهّدهما لمنافعكم لتسكنوا في الليل للراحة ولتبغوا المعاش والرزق في النهار من فضله . * ( [ وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوه ُ ] ) * لأنّ الإنسان قد يسأل اللَّه العافية فيعطى والنجاة من المهالك فيعطى والغنى فيعطى والعزّ فيعطى فهذه الأمور من مسؤولاته يعطي اللَّه له ما لم يكن مفسدة ، فأين يذهب هذا الإنسان مع هذه النعم الَّتي لا تحصى كثرة عن اللَّه ويعبد غيره ؟ وإنّما قال : « مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوه ُ » لأنّه سبحانه لا يعطي جميع ما سأله العبد لاختلال عالم نظام الأمور في عالمه أو عالم غيره . [ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّه ِ لا تُحْصُوها ] لكثرتها و « النعمة » هنا اسم أقيم مقام المصدر ، ولذلك لم يجمع وفيه معنى الجمع ، وكيف يقدر العبد أن يحصي أمرا غير متناهي ؟ لأنّ الشيء إذا لم يتناهى لم تحص ، كيف لا وما من فرد من أفراد الناس وإن كان في أقصى مراتب الفقر والإفلاس مبتلى بأنواع البلايا والرزايا لو تأمّلته ألقيته منقلبا في نعم لا تحدّ ومنن لا تحصى كأنّه قد أعطي كلّ ساعة وآن من اللَّه لنعماء ما حواها حيطة الإمكان ؟ وإن كنت في ريب من هذا فتأمّل في حال ملك ملك الأقطار ودانت له كافّة الأمم وأذعنت لطاعته السراة ، وخضعت لهيبته رقاب العتاة ، ونال كلّ منال وفاز بكلّ مراح وحاز جميع ما في الدنيا من أصناف الجواهر والأموال والنفائس والأغلاق ، وصارت أحجار الجبال بأسرها يواقيت غالية ومدر الأرض درر نفيسة من غير ندّ يزاحمه ، أو شريك يساهمه ثمّ اتّفق هذا الملك في فلاة قد نزل وفقد مشروب أو مطعوم في حالة بلغت نفسه الحلقوم فهل يشتري وهو في تلك الحال بجميع ماله من الدنيا بلقمة تنجيه عن جوعه ؟ أو شربة ترويه من ظمائه أم يختار الهلاك ؟ كلَّا ! بل يبذل لذلك كلّ ما يملك وليس في صفقته شائبة الخسران فإذن تلك اللقمة والشربة خير ممّا في الدنيا بألف رتبة . أو قدّر أنّ ذلك الملك احتبس عليه