المعنى : لمّا أمر الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتّع بنعيم الدنيا أمر المؤمنين في هذه الآية بترك التمتّع بالدنيا والمجاهدة بالنفس والمال فقال :
* ( [ قُلْ ] ) * يا محمّد * ( [ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ] ) * أقيموا وأنفقوا ، وهو في المعنى أمر محذوف منه اللام أي ليقيموا ولينفقوا ، وإنّما جاز حذف اللام لأنّ قوله : « قُلْ » عوض منه كقولك : قل لزيد يضرب عمرا ، وإنّ الإنسان بعد الفراغ من الإيمان مأمور بالصلاة وأداء الزكاة ، وهما بذل النفس في مجاهدة الصلاة وبذل المال في إنفاق الزكاة ، فهذه الأمور الثلاثة هي الطاعات المعتبرة ، لقوله : « الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ » « 1 » .
* ( [ سِرًّا وَعَلانِيَةً ] ) * أي قل لهم : أنفقوا في النوافل سرّا لتدفعوا عن أنفسكم تهمة الرياء وفي الفرائض تهمة المنع * ( [ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ] ) * القيامة ، وهو يوم لا يمكن فيه إعطاء الفدية للتخلَّص عن النار ولا مصادقة ولا مخاللة لأنّ المصادقة والمخاللة إنّما تحصل بسبب ميل الطبيعة ورغبة النفس وفي ذلك اليوم تنقرض هذه الموادّ الطبيعيّة .
فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله : « الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ » « 2 » ؟ .
الجواب أنّ إثبات الخلَّة للمؤمنين في تلك الآية بسبب عبوديّة اللَّه ومحبّة حاصلة لا بسبب ميل الطبيعة .
ثمّ بيّن سبحانه أنّه المستحقّ للإلهيّة فقال : * ( [ اللَّه ُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ ] ) * وأنشأهما من غير شيء ومثال ورويّة ، وبدأ بذكرهما لعظم شأنهما في القدرة ولأنّهما مادّة كلّ شيء * ( [ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ] ) * غيثا ومطرا * ( [ فَأَخْرَجَ بِه ِ مِنَ الثَّمَراتِ ] ) * أرزاقكم لأنّ الماء مادّة الثمرات * ( [ وَسَخَّرَ لَكُمُ ] ) * السفن والمراكب * ( [ لِتَجْرِيَ ] ) * الفلك في البحر بأمر اللَّه لأنّها تسير بالرياح
هامش
( 1 ) البقرة : 2 .
( 2 ) الزخرف : 67 .