النفس فلا دخل منه ما خرج ولا خرج منه ما ولج ، والحين حان وأتاه الموت من كلّ مكان أما يعطي ذلك كلَّه بمقابلة نفس واحد ؟ بل يعطيه وهو لرأيه حامد فانظر حينئذ ذلك الفقير المبتلى يقدر أن يحصي نعم اللَّه عليه ؟ فكيف بغيره ؟ على أنّ الإنسان بمقتضى حقيقته الممكنة بمعزل عن استحقاق الوجود وما يتبعه من الكمالات اللائقة ، بحيث لو انقطع ما بينه وبين العناية الإلهيّة من العلاقة لما استقرّ له القرار ولا اطمأنّت به الدار إلَّا في مطمورة العدم ، لكن يفيض عليه من الجناب الأقدس تعالى شأنه في كلّ زمان يمضي وكلّ آن يمرّ وينقضي من أنواع الفيوض المتعلَّقة بقدرته المنيعة ما لا يحيط به نطاق التعبير ولا يعلم مقداره إلَّا العليم الخبير .
وبالجملة قال طليق بن حبيب : إنّ حقّ اللَّه تعالى أثقل من أن يقوم به العباد ونعمه أكثر من أن يحصيها الخلق ، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين * ( [ إِنَّ الإِنْسانَ ] ) * كثير الظلم لنفسه كثير الكفران لنعم ربّه .
والنظم في الآية : لمّا ذكر ما هم عليه من اتّخاذ الأنداد بيّن في هذه الآية أنّ المستحقّ للعبادة واجب الوجود هو اللَّه الَّذي خلق السماوات ، إلخ .
قوله : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 35 إلى 41 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنامَ ( 35 ) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّه ُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 36 ) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( 37 ) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّه ِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ( 38 ) الْحَمْدُ لِلَّه ِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ( 39 )
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ( 40 ) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ( 41 )
لمّا بيّن سبحانه في الآيات السابقة المنع عن عبادة غيره حكى عن نبيّه إبراهيم مبالغته في إنكار عبادة الأصنام :
واذكر يا محمّد * ( [ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ] ) * يعني مكّة وحولها من الحرم .