ولا أنفسكم وإنّما اللَّه قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه . وكذلك تدلّ على أنّ الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان وعلى تعويج أعضائه وعلى إزالة العقل عنه كما يقوله العوامّ .
قوله : * ( [ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ] ) * أي كفرت الآن بما كان من إشراككم إيّاي مع اللَّه في الطاعة ، يعني جحدت أن أكون شريكا للَّه فيما أشركتموني فيه من قبل هذا اليوم . ولعلّ مراده استكباره عن سجود آدم * ( [ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ] ) * قيل : إنّه من تمام قول الشيطان . وقيل : استئناف وعيد اللَّه لأهل النار .
وبقي هاهنا سؤال : كيف يتعقّل ويتمكّن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه ؟ فيه قولان :
الأول أنّ ما سوى اللَّه بحسب القسمة العقليّة على أقسام ثلاثة : المتحيّز والحالّ في المتحيّز والَّذي لا يكون متحيّزا ولا حالَّا فيه . وهذا القسم الثالث هو المسمّى بالأرواح ، فهذه الأرواح إن كانت طاهرة مقدّسة في عالم الروحانيّات فهم الملائكة وإن كانت خبيثة شريرة داعية إلى الشرور وعالم الأجساد ومنازل الظلمات فهم الشياطين ، فعلى هذا التقدير الشيطان لا يكون جسما يحتاج إلى الولوج في داخل البدن ، بل هو جوهر روحانيّ خبيث الفعل فعلى هذا التقدير لا يبعد في أن يلقي شيء من تلك الأرواح أنواعا من الوساوس والأباطيل إلى جوهر النفس الناطقة بالمشاكلة وتلك الوسوسة تؤثّر في النفس الناطقة فيحصل الإضلال من غير ولوج فهذه المشاكلة تختلف فإن كانت مشاكلة الخير والبركة كان ذلك من الملك إلهاما ، وإن كانت المشاكلة من أبواب الشرّ كان وسوسة من الشيطان ، وهذا التقرير على القول بإثبات جواهر مبرّأة عن الجسميّة والتحيّز ، والقول بالأرواح الخبيثة والطاهرة كلام مشهور عند قدماء الفلاسفة فليس لأحد أن ينكر وجود الشيطان والجنّ والملائكة على أن نطقت به الشرائع والشريعة الأحمديّة فمن أنكر أنكر القرآن .
والقول الثاني وهو أنّ الملائكة والشياطين لا بدّ وأن تكون أجساما لكن أجساما لطيفة واللَّه سبحانه ركّبها تركيبا عجيبا وهي أن تكون مع لطافتها لا تقبل التفرّق والتمزّق
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 113
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١١٣