أشاروا بأيديهم إلى أفواه الأنبياء تسكيتا لهم .
وثالثها : وضعوا أيديهم على أفواههم مؤمين بذلك إلى الرسل أن اسكتوا عمّا تدعوننا إليه كما يفعل الواحد منّا إلى غيره إذا أراد أن يسكته .
ورابعها : أنّ كلا الضميرين إلى المرسل أي أخذوا أيدي الرسل فوضعوها على أفواههم ليسكتوهم وليقطعوا كلامهم .
هذا كلَّه إذا حملنا معنى الأيدي والأفواه على الحقيقة ، ومن حملها على التوسّع والمجاز ، وإلَّا فقيل : المراد باليد ما نطقت به الرسل من الحجج لأنّ الحجج يخرج من الأفواه .
وقيل : معناه كذّبوا رسلهم وتركوا ما أمروا به وبعض أنكروا هذا المعنى وقالوا : إنّما المعنى عضّوا على الأيدي حقدا أو غيظا كقول الشاعر :
« يردّون في فيه عشر الحسود »
يعني أنّهم يغيظون الحسود حتّى يعضّ على أصابعه العشر .
قوله : * ( [ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا ] ) * أي جحدنا ما * ( [ أُرْسِلْتُمْ بِه ِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْه ِ ] ) * من الدين نوقع في الريبة ، الريبة قلق النفس وعدم الاطمئنان * ( [ قالَتْ رُسُلُهُمْ ] ) * حينئذ :
* ( [ أَفِي اللَّه ِ شَكٌّ ] ) * مع هذه الحجج ؟ * ( [ فاطِرِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ ] ) * وخالقهما لا يقدر على ذلك غيره فوجب أن يعبد وحده ولا يشرك به من لم يقدر أن يخلق [ و * ( يَدْعُوكُمْ ] ) * إلى الإيمان * ( [ لِيَغْفِرَ لَكُمْ ] ) * وينفعكم لا ليضرّكم وقال : * ( [ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ] ) * أي بعض ذنوبكم لأنّه قد يغفر ما دون الشرك ولا يغفر الشرك * ( [ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ] ) * أي يؤخّركم إلى الأجل الَّذي ضرب اللَّه وقدّره لكم أن يميتكم فيه .
* ( [ قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا ] ) * أي قال لهم قومهم : ما أنتم إلَّا خلق * ( [ مِثْلُنا تُرِيدُونَ ] ) * أن تمنعونا * ( [ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ] ) * من الأصنام * ( [ فَأْتُونا بِسُلْطانٍ ] ) * وحجّة ، وإنّما قالوا ذلك لأنّهم ما اعتقدوا بأنّ جميع ما جاءت به الرسل معجزة لأنّهم طلبوا معجزات سوى ما ظهرت منهم .
وفي هذه الآية دلالة على أنّ اللَّه لا يريد الكفر والشرك وإنّما يريد الخير والإيمان ، وإنّما بعث الرسل إلى الناس فضلا ورحمة ، فإنّه سبحانه قال : « يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ » .