بالكفّار * ( [ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ] ) * أي بتحريم بعض من الصيد لأنّه عنى صيد البرّ خاصّة ، منعهم اللَّه عن الصّيد وهم محرمون ، ولعلّ المراد من قوله : « بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ » أن يعلم أنّه ليس بفتنة من الفتن العظام الَّتي يكون التكليف فيها صعبا شاقّا كالابتلاء ببذل الروح والمال وإنّما هو ابتلاء سهل * ( [ تَنالُه أَيْدِيكُمْ ورِماحُكُمْ ] ) * قيل : الَّذي تناله الأيدي ، صغار الوحش وفراخ الطير ، والَّذي تناله الرماح الكبار من الصّيد عن ابن عبّاس ، وهو المرويّ عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام . وقيل : إنّ صيد الحرم تنال بالأيدي والرماح لأنّه كان يأنس بالناس ولا ينفر منهم فيه ، بخلاف الحلّ فإنّه كان ينفر فيه ، وذلك آية من آيات اللَّه عن أبي عليّ الجبّائيّ ، وثالث الأقوال أنّ المراد ما قرب من الصّيد وما بعد * ( [ لِيَعْلَمَ اللَّه مَنْ يَخافُه بِالْغَيْبِ ] ) * والخوف من اللَّه الخوف من عقابه وغضبه ، والمعنى : ليتميّز الخائف من عقابه الاخرويّ وهو غائب مترقّب لقوّة إيمانه ، فلا يتعرّض للصّيد ممّن لا يخاف كذلك لضعف إيمانه فيقدم عليه ، ولمّا كان علم اللَّه مقتضى ذاته وامتنع عليه التجدّد والتغيّر كما امتنع ذلك على ذاته جعل هاهنا مجازا عن تمييز المعلوم وظهوره على طريق إطلاق السبب على المسبّب ، قال القاضي والمولى أبو السّعود : إنّما عبّر بالعلم إيذانا بمدار الجزاء ثوابا وعقابا لأنّ حصول الجزاء منوط بحصول المعلوم وتميّزه ، ويجوز أن يكون معنى من يخافه بالغيب أي من يخاف حال إيمانه بالغيب كما ذكر في أوّل كتابه وهو قوله : « يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ » أو المعنى من يخافه بإخلاص وتحقيق ، ولا يختلف حاله بسبب حضور واحد أو غيبته كما في حقّ المنافقين الَّذين إذا لقوا الَّذين آمنوا قالوا : آمنّا ، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنّا معكم ، والباء في قوله : « بِالْغَيْبِ » في محلّ النّصب بالحال * ( [ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ ] ) * أي بعد بيان أنّ ما وقع امتحان من جهته تعالى وتعرّض للصّيد * ( [ فَلَه عَذابٌ أَلِيمٌ ] ) * لأنّ الاعتداء بعد ذلك مكابرة صريحة ، وعدم مبالاة بحكم اللَّه وانخلاع عن طاعته ، والمراد عذاب الآخرة إن مات قبل التّوبة ، ثمّ ذكر سبحانه ما يجب على ذلك الاعتداء من الجزاء في الدنيا فقال : * ( [ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ ] ) * واختلف في معنى الصيد قيل :
هو كلّ الوحش أكل أو لم يؤكل ، وهو قول أهل العراق ، واستدلَّوا بقول عليّ عليه السّلام :
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 88
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٨٨