ثمّ فرق آخر في الآية أنّ قوم نوح نسبوه إلى الضلال حيث إنّه يأمرهم بأمر النبوّة ويتعب نفسه غاية في القول والعمل بتعب اشتغال السفينة فنسبوه إلى الضلال ، وهود ما اشتغل بتعب البدن بل تعبه مشقّة القول الغير المسموع فنسبوه إلى قلَّة العقل والسفاهة و « والظنّ » هنا بمعنى اليقين كقوله تعالى : « الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ » « 1 » .
ثمّ فرق آخر بين قول نوح وهود فنوح أدّى عبارة أنصح بصيغة الفعل فقال :
« وأَنْصَحُ لَكُمْ » للدلالة على التجدّد والحدوث ساعة فساعة وهود عليه السلام أتى الكلام بصيغة الاسم فقال : « وأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ » لأنّها دالَّة على الثبات والاستمرار هكذا قال الشيخ عبد القاهر النحويّ في كتاب دلائل الإعجاز في القرآن .
ثمّ وصف نوح نفسه بالعلم حيث قال : « إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّه ما لا تَعْلَمُونَ » لأنّه كان عالما بوقوع العذاب ، وهود وصف نفسه بالأمانة في النصح لأنّ نوح كان أعظم منصبا في النبوّة من هود .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 69 ] أَوعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ واذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 69 )
قوله * ( [ أَوعَجِبْتُمْ ] ) * مرّ تفسيره : قبيل هذا . قوله : « واذْكُرُوا » بيّن نعمه عليهم لوجوب الشكر بأن جعلهم خلفاء للسابقين بأن أورثهم أرضهم وديارهم وما يتّصل لهم من المنافع الَّتي كان قوم نوح ينتفعون بها .
* ( [ وزادَكُمْ ] ) * عنهم البسطة في الجسم والقوّة قال الكلبيّ : كان أطولهم مائة ذراع ، وأقصرهم ستّين ذراعا . وقال آخرون فضّلوا من غيرهم مقدار مما تبلغه يد إنسان إذا رفعها ، ففضّلوا أهل زمانهم هذا المقدار فاذكروا نعم اللَّه وآلاءه واعملوا عملا يليق بالإنعامات لكي تفلحوا .
قال الواحديّ . مفرد الآلاء ألي وألو وإلي قال الأعشى :
أبيض لا يرهب الهزال
ولا يقطع ولا يخون إلي
ونظير الآلاء في المفرد والجمع الآناء .
هامش
( 1 ) البقرة : 43 .