تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
في التّاء فصار ستّ وستّة ، والدليل عليه أنّك تقول في تصغير ستّة : سديسة . فأبدعهما سبحانه لا من شيء ولا على مثال . ثمّ أمسك السماء بلا عماد يدعمها وكذلك الأرض في ستّة أيّام أي في مقدار ستّة أيّام لأنّ ذلك الوقت ما كان ليل ولا نهار فلمّا بيّن إبداعهما وخلقهما ، والخلق معناه : تقدير الشيء على نحو معيّن ، والعقل بالبداهة يحكم ويقضي بأنّ تقدير الشيء بمقدار معيّن لا بدّ من مقدّر وإلَّا يجوز الأزيد والأنقص كما جاز هو ، فكونه بمقدار معيّن لا يكون إلَّا بتقدير المقدّر الفاعل المختار . ثمّ إنّ كون هذه الأجسام أي الأجرام الفلكيّة والسماويّة متحرّكة في الأزل محال لأنّ الحركة انتقال من حال إلى حال فالحركة يجب وجودها أن يكون مسبوقة بحركة أخرى ، والأزليّة ينافي المسبوقيّة ، فكان الجمع بين الحركة والأزل محالا قطعا فإذا ثبت هذا الأصل فنقول : الأفلاك والكواكب والسماوات إمّا أن يقال : إنّ ذواتها كانت معدومة في الأزل ثمّ وجدت ، أو يقال : إنّها كانت موجودة ذلك الوقت أو بعد ذلك الوقت ، فإذا لم يكن كذلك - يعني لم تكن أزليّة لأنّ الأزليّة منافية مع الحركة والحركة مسلَّمة - فاختصاص ابتداء تلك الحركة بتلك الأوقات المعنيّة تقديرا وخلقا يدلّ ويلزم أن يكون بتقدير مخصّص قادر مختار وهو اللَّه . ودليل آخر : أنّ أجرام السماوات والكواكب والعناصر مركّبة من أجزاء صغيرة ، ولا بدّ أن يقال : إنّ بعض تلك الأجزاء حصلت في داخل تلك الأجرام وبعضها حصلت على سطوحها حتّى يتحقّق السطحيّة فاختصاص حصول كلّ واحد من تلك الأجزاء بحيّزه المعيّن ووضعه وشكله المخصوص لا بدّ وأن يكون بتخصيص مخصّص قادر مختار . ودليل آخر أنّ كلّ واحد من الأفلاك أعلى من بعض وكلَّا من الكواكب متحرّك أو الأفلاك متحرّكة إلى جهة مخصوصة وحركة مختصّة من البطيء والسرعة ، وذلك خلق وتقدير ولا يكون التقدير إلَّا من القادر المختار .