لمّا حكى سبحانه عن المشركين أنّهم جعلوا بعض الأشياء للأوثان عقّب ذلك لبيان بأنّه الخالق لجميع الأشياء فلا يجوز إضافة شيء منها إلى الأوثان من التحليل والتحريم إلَّا بإذنه فقال : * ( [ وهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ ] ) * لإقامة الدّلائل على تقرير التّوحيد أي إنّه سبحانه خلق وأبدع لا على مثال * ( [ جَنَّاتٍ ] ) * فيها الأشجار المختلفة .
* ( [ مَعْرُوشاتٍ ] ) * أي مرفوعات بالدعائم وهو ما عرشه الناس من الكروم ونحوها عن ابن عبّاس والسدّيّ : وقيل : عرشها أن تجعل لها حظائر كالحيطان ، وأصله الرفع ومنه قوله : « خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها » « 1 » أي ما ارتفع منها * ( [ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ] ) * يعني ما خرج من قبل نفسه من الجبال والبراري ، أو المراد من غير « مَعْرُوشاتٍ » ما كانت قائمة على أصولها مستغنية عن التعريش . عن أبي مسلم .
* ( [ والنَّخْلَ والزَّرْعَ ] ) * قال ابن عبّاس : الزرع هاهنا جميع الحبوب الَّتي يقتات بها * ( [ مُخْتَلِفاً أُكُلُه ] ) * أي طعمه وقيل : ثمره ، فأنشأ سبحانه هذه الأشياء مختلفة الطَّعوم والألوان والصورة ، فبعضها مختلفا في الصورة ومتّفقا في الطعم وبعضها مختلفا في الطعم ومتّفقا في الصورة ، وكلّ ذلك يدلّ على توحيده وقدرته على ما يشاء .
وقوله « مُخْتَلِفاً أُكُلُه » نصب على الحال من أنشأ ، والمعنى مقدّرا اختلاف اكله إذ ليس كذلك وقت الإنشاء أي أنشأ كلّ واحد منهما في حال اختلاف ثمره الَّذي يؤكل بعد في الطعم والهيئة واللَّون ، وذلك مثل قولهم : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا أي مقدّرا الصّيد به غدا .
* ( [ والزَّيْتُونَ والرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وغَيْرَ مُتَشابِه ] ) * أي أنشأهما حالكونهما بعض أفرادهما يتشابه بالبعض وبعضها لا يتشابه مثل الرمّانين لونهما واحد وطعمهما مختلف فأحدهما حلو والآخر حامض .
* ( [ كُلُوا مِنْ ثَمَرِه إِذا أَثْمَرَ ] ) * والأمر للإباحة ، وفائدة التقييد بقوله : « إِذا أَثْمَرَ » إباحة الأكل منه قبل إدراكه وينعه ، قال الجبّائيّ وجماعة : هذا يدلّ على جواز الأكل من الثمر وإن كان فيه حقّ الفقراء .
هامش
( 1 ) الحج : 44 .