بينهم وبينه لقدر على ذلك ولكنّه خلَّى سبيلهم بينهم وبين أفعالهم إبقاء للتّكليف وامتحانا للمكلَّفين ، وقيل : المعنى : ولو شاء ربّك ما فعلوه بأن ينزّل عليهم عذابا أو آية فتضلّ أعناقهم لها خاضعين .
* ( [ فَذَرْهُمْ وما يَفْتَرُونَ ] ) * أي دعهم وافترائهم الكذب فإنّي أجازيهم وأعاقبهم ، أمر سبحانه بأن يخلَّي بينهم وبين ما اختاروه وأن لا يمنعهم منه بالقهر تهديدا لهم ، وذلك كقوله : « اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ » دون أن يكون أمرا واجبا أو ندبا .
* ( [ ولِتَصْغى إِلَيْه ] ) * عطف على الغرور واللَّام بمعنى كي أي يوحي بعضهم إلى بعض الغرور ولأن تصغى إليه * ( [ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْه ولِيَقْتَرِفُوا ] ) * ولام « كي » نائبة عن « أن » في أكثر الموارد واللامات في الآية قرئت بالسكون وقرئت بالحركة ، والحركة أولى أي لتميل إلى هذا القول المزخرف قلوب الَّذين لا يؤمنون ، ويجوز أن تكون اللَّام لام العاقبة * ( [ ولِيَرْضَوْه ] ) * أي لتميل أفئدتهم إلى تلك المزخرف ويرضوه لأنفسهم بعد ميل أفئدتهم * ( [ ولِيَقْتَرِفُوا ] ) * ويكتسبوا بموجب ارتضائهم لذلك المزخرف * ( [ ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ] ) * ومكتسبون من القبائح الَّتي لا يليق ذكرها من الكفر ومتابعة الضّلالة .
وفي الآية إشارة إلى أنّ البلايا للسائرين إلى اللَّه ، والأولياء هي المطايا لهم ، وأنّ أشدّ البلاء شماتة الأعداء فلمّا كانت رتبة الأنبياء أعلى كانت عداوة الكفّار لهم أوفى وفي ذلك لهم ترقّيات .
قال أهل التأويل : إنّ شيطان الإنس النفس الأمّارة بالسوء وهي أقوى من شياطين الجنّ ، وإنّما يتسلَّط شيطان الجنّ على ابن آدم بفضول النّظر والكلام والطعام وبمخالطة الناس ومن اختلط فقد استمع إلى الأكاذيب .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 114 ] أَفَغَيْرَ اللَّه أَبْتَغِي حَكَماً وهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّه مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 114 )
قوله تعالى :
أمر سبحانه أن يقول لهؤلاء الكفّار الَّذين مضى ذكرهم : * ( [ أَفَغَيْرَ اللَّه أَبْتَغِي حَكَماً ] ) * وأطلب سواه حاكما ؟ والحكم والحاكم بمعنى واحد إلَّا أنّ الحكم أبلغ : لأنّ