المحيط بالأرض أيضا بارد جدّا فوجب أن يشتدّ البرد وأن لا يحدث المطر في الشتاء البتّة ونحن نشاهد حدوث المطر في الغالب ففسد القول .
والحجّة الثانية على فساد قولهم ما ذكره الجبّائيّ وهو أنّ البخارات إذا ارتفعت وتصاعدت تفرّقت وإذا تفرّقت لم يتولَّد منها قطرات الماء بل البخار إنّما يجتمع إذا اتّصل بسقف متّصل أملس كسقوف الحمّامات المزجّجة أمّا إذا لم يكن كذلك لم يسل منه ماء فإذا تصاعدت الأبخرة في الهواء وليس فوقها سطح أملس متّصل به تلك البخارات وجب أن لا يحصل منها شيء من الماء . والدليل الأقوى في بطلان قول من قال : إنّ الأمطار بسبب صعود الأبخرة أنّه لو كان تولَّد المطر من صعود البخارات فالبخارات دائمة الارتفاع من البحار فوجب أن يدوم هناك نزول المطر ونحن نشاهد خلافه .
قال الجبّائيّ : إنّ القوم إنّما احتاجوا إلى هذا القول لأنّهم اعتقدوا أنّ الأجسام قديمة وإذا كانت قديمة امتنع دخول الزّيادة والنقصان فيها وحينئذ لا معنى لحدوث الحوادث إلَّا اتّصاف تلك الذرّات بصفة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخرى ، فلهذا السبب احتالوا في تكوين كلّ شيء عن مادّة معيّنة ، وأمّا المسلمون فلمّا اعتقدوا أنّ الأجسام محدثة ، وأنّ خالق العالم فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد فعند هذا لا حاجة إلى هذه التكلَّفات ، والآيات ناطقة بنزول المطر من السماء قال : « وأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً » « 1 » « ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِه » « 2 » فيخلق هذه الأجسام في السماء ثمّ ينزّلها إلى السحاب ثمّ من السحاب إلى الأرض .
وقيل : المعنى أنزل من السحاب ماء وسمّى اللَّه السحاب سماء لأنّ العرب يسمّي كل ما فوقك سماء ، ولكن هذا المعنى فيه تكلَّف أيضا لأنّه خروج عن الظاهر في الجملة ، ونقل الواحديّ في البسيط عن ابن عبّاس : يريد بالماء المطر هنا ولا ينزل قطرة من المطر إلَّا ومعها ملك ، والفلاسفة يحملون ذلك الملك على الطبيعة الحالَّة في تلك الجسميّة الموجبة لذلك النزول وأنكروا كون الملك معها .
هامش
( 1 ) الفرقان : 50 .
( 2 ) الأنفال : 11 .