تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
الأمّ قالوا : محصول تلك النّطفة في رحم الأمّ من قبل الرجل مشبه بالوديعة . وقوله : « فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ » يقتضي كون المستقرّ متقدّما على المستودع وحصول النطفة في طلب الأب مقدّم على حصولها في رحم الأمّ موجب على هذا التقرير كون المستقرّ متقدّما على المستودع وهو ما في أصلاب الآباء والمستودع ما في الأرحام . وقيل في معنى المستقرّ والمستودع : إنّ المستقرّ حالة بعد الموت لأنّه إن كان سعيدا فقد استقرّت تلك السعادة ، وإن كان شقيّا فقد استقرّت تلك الشقاوة ، ولا تبديل للإنسان بعد الموت ، وأمّا قبل الموت فالأحوال متبدّلة فالكافر قد ينقلب مؤمنا ، والزنديق قد ينقلب صدّيقا فهذه الأحوال لكونها قابلة للتغيّر والتبدّل لا يبعد تشبيهها بالوديعة الَّتي تكون مشرفة على الانتقال والزوال ، عن الحسن . والقول الرابع وهو قول الأصمّ : أنّ المستقرّ من خلق في النفس الأولى ودخل الدنيا واستقرّ فيها ، والمستودع الَّذي لم يخلق بعد وسيخلق ، قال لبيد :
وما المال والأهلون إلَّا ودائع ولا بدّ يوما أن نردّ الودائع
أو المستقرّ من استقرّ في قرار الدنيا والمستودع من في القبور حتّى يبعث وهذا أيضا قول الأصمّ . وقال قتادة على العكس منه فقال : مستقرّ في القبر ومستودع في الدنيا . وقال أبو مسلم الإصبهانيّ : إنّ المعنى هو الَّذي أنشأكم من نفس واحدة فمنكم مستقرّ ذكر ومنكم مستودع أنثى ، إلَّا أنّه سبحانه عبّر عن الذكر بالمستقرّ لأنّ النطفة تتولَّد في صلبه ويستقرّ هناك ، وعبّر عن الأنثى بالمستودع لأنّ رحمها شبيهة بالمستودع لتلك النطفة والاستدلال في الآية بأنّ الناس إنّما تولَّدوا من شخص واحد ، ومختلفة في الصّفات الَّتي باعتبارها حصل التفاوت والاختلاف في تلك الصّفات لا بدّ له من مؤثّر وسبب وليس السبب هو الجسميّة ولوازمها فإنّ الأجسام متماثلة وإلَّا لامتنع حصول التفاوت في الصفات فوجب أن يكون المؤثّر هو الفاعل المختار الحكيم .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 223 | مير سيد علي الحائري الطهراني