تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
قوله : * ( [ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ] ) * قال الأخفش : « الَّذِينَ » موضعه نصب على البدليّة من الضمير في « ليجمعنّكم » والمعنى : ليجمعنّ هؤلاء الَّذين خسروا أنفسهم وقال الزجّاج : إنّ قوله : « الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ » رفع بالابتداء وقوله « فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » خبره لأنّ قوله « ليجمعنّكم » مشتمل على الكلّ على الَّذين خسروا وعلى غيرهم ، فالَّذين خسروا أنفسهم هم الَّذين لا يؤمنون بتضييع رأس مالهم وهو الفطرة الأصليّة الَّتي فطر الناس عليها . فإن قيل : كيف يحذّر المشركين بالبعث والنشور وهم لا يصدّقون به ؟ فالجواب أنّه جار مجرى الإلزام بسبب ذكر الدليل . فان قيل : كيف نفى الريب مطلقا والكافر منكر أو مرتاب بعضهم ؟ فالجواب أنّ الحقّ حقّ وإن ارتاب المبطل فإنّ الدليل حكم بالسمع والعقل أنّ التمكين من الظلم من غير انتصاف إمّا في العاجل أو في الآجل قبيح فوجب أن يكون دار أخرى وينتصف المظلوم من الظالم . * ( [ ولَه ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ والنَّهارِ ] ) * أي كلّ متمكّن ساكن خلقا وملكا وذكر في السابق السماوات والأرض وهنا اللَّيل والنهار لأنّ الأوّل مجمع المكان والثاني مجمع الزمان وهما ظرفان لكل موجود فكأنّه تعالى أراد الأجسام والأعراض وإنّما ذكر الساكن دون المتحرّك لأنّ عاقبة التحرّك السكون والساكن أعمّ وأكثر من المتحرّك أو أنّ المراد الساكن والمتحرّك والتقدير : ما سكن وما تحرّك إلَّا أنّ العرب قد يذكر أحد وجهي الشيء ويحذف الآخر بسبب أنّ المذكور ينبّه عن المحذوف كقوله : « سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ » « 1 » والمراد الحرّ والبرد . والمراد من الآية باختصاص الذكر في المخلوقات بالسكون والحركة من بين سائر كيفيّاتها التنبيه على حدوث العالم وإثبات الصانع لأنّ كلّ جسم لا ينفكّ من الحوادث الَّتي هي الحركة والسكون فإذا لا بدّ من محرّك ومسكّن لاستواء الوجهين في الجواز والإمكان فلا بدّ من وجود المخصّص بأحدهما دون الآخر وقيل : المراد من السكون الحلول كما يقال : فلان يسكن بلد كذا .
هامش
( 1 ) النحل : 83 .