وكثرتها من الحياة والصحّة والعقل والهداية والصون عن الآفات سببا لوقوعها في محلّ النسيان وهو مثل قولهم : سبحان من احتجب عن العقول لشدّة ظهوره واختفى عنها بكمال نوره ، فالنعمة موجبة للانقياد والقبول لمراتب التكليف والعبوديّة والسبب الآخر بكونهم منقادين بأوامر اللَّه .
قوله تعالى : * ( [ وَمِيثاقَه ُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِه ِ ] ) * والمواثقة : المعاهدة .
وللمفسّرين في تفسير هذا الميثاق وجوه قيل : المراد هو المواثيق الَّتي جرت بين رسول اللَّه وبينهم على البيعة والسمع والطاعة في المحبوب والمكروه ، مثل مبايعته مع الأنصار في أوّل الأمر ومبايعته عامّة المؤمنين تحت الشجرة ، وأضاف الميثاق مع الرسول إلى نفسه سبحانه وذلك مثل قوله : « مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّه َ » « 1 » ومثل قوله : « إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّه َ » . « 2 »
قيل - والقائل ابن عبّاس - : هو الميثاق الَّذي أخذه اللَّه على بني إسرائيل حين أخذ منهم العهد بالعمل بالتوراة وبكلّ ما فيها ، فلمّا كان من جملتها البشارة بمقدم محمّد صلى اللَّه عليه وآله لزمهم الإقرار بنبوّة محمّد صلى اللَّه عليه وآله .
وقال الكلبيّ ومجاهد ومقاتل : هو الميثاق الَّذي أخذه اللَّه منهم حين أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم : « أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ » ؟
فإن قيل : إنّ بني آدم لا يذكرون هذا العهد والميثاق فكيف يؤمرون بحفظه ؟
فإنّه لمّا أخبر اللَّه بأنّه كان ذلك حاصلا فقد حصل القطع بحصوله فحينئذ يحسن أن يأمرهم بالوفاء بذلك العهد .
وقال السدّيّ : المراد بالميثاق الدلائل العقليّة والشرعيّة الَّتي نصبها اللَّه تعالى على التوحيد والشرائع ، وهو اختيار أكثر المتكلَّمين .
* ( [ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا ] ) * ظرف « لواثقكم به » وفائدة التقييد به وجوب مراعاته بتذكير قولهم * ( [ وَاتَّقُوا اللَّه َ ] ) * من المخالفة * ( [ إِنَّ اللَّه َ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ] ) * من الصدور المنشرحة والصدور
هامش
( 1 ) النساء : 80 .
( 2 ) الفتح : 19 .