تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
وحده كما أخبر عن إبراهيم عليه السّلام أنّه قال : « وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ » « 1 » وقيل : معناه أخلص أعماله للَّه أي أتى بها مخلصا للَّه فيها . * ( [ وَهُوَ مُحْسِنٌ ] ) * أي فاعل للفعل الحسن الَّذي أمره اللَّه تعالى ، وقيل : معناه وهو محسن في جميع أقواله وأفعاله ، وقيل : إنّ المحسن هنا الموحّد . وروي أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه وآله سئل عن الإحسان فقال : أن تعبد اللَّه كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك . * ( [ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ] ) * أي اقتدى بدينه وسيرته وطريقته يعني ما كان عليه إبراهيم وأمر به بنيه من بعده ، وأوصاهم به من الإقرار بتوحيده وعدله ، وتنزيهه عمّا لا يليق به ، ومن ذلك الصلاة إلى الكعبة والطواف حولها وسائر المناسك * ( [ حَنِيفاً ] ) * أي مستقيما على منهاجه وطريقه ، وقد مرّ معنى الحنيف في سورة البقرة . * ( [ وَاتَّخَذَ اللَّه ُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ] ) * أي محبّا لا خلل في مودّته لكمال خلَّته ، والمراد بخلَّته للَّه أنّه كان مواليا لأولياء اللَّه ومعاديا لأعداء اللَّه ، والمراد بخلَّة اللَّه تعالى له نصرته على من أراده بسوء كما أنقذه من نار نمرود وجعلها عليه بردا وسلاما ، وكما فعله بملك مصرحين راوده عن أهله ، وجعله إماما للناس وقدوة لهم ، قال الزجّاج : جائز أن يكون سمّي خليل اللَّه بأنّه الَّذي أحبّه اللَّه بأن اصطفاه محبّة تامّة كاملة ، وأحبّ اللَّه هو محبّة تامّة كاملة . وقيل سمّي خليلا لأنّه افتقر إلى اللَّه وتوكّل عليه وانقطع بحوائجه إليه ، وهو اختيار الفرّاء وأبي القاسم البلخيّ . وإنّما خصّه اللَّه بهذا الاسم وإن كان الخلق كلَّهم فقراء إلى رحمته تشريفا له بالنسبة إليه من حيث إنّه فقير إليه لا يرجو لسدّ خلَّته بسواه ، كما خصّ موسى عليه السّلام بأنّه كليم اللَّه ، وعيسى عليه السّلام بأنّه روح اللَّه ، ومحمّدا صلى اللَّه عليه وآله بأنّه حبيب اللَّه . وقيل إنّما سمّي خليلا لأنّه سبحانه خصّه بما لم يخصّ به غيره من إنزال الوحي عليه وغير ذلك من خصائصه . وإنّما خصّه من بين سائر الأنبياء بهذا الاسم على المعنيين اللَّذين ذكرناهما وإن كان كلّ واحد من الأنبياء خليل اللَّه في زمانه ، لأنّه سبحانه خصّهم بالنبوّة ، وقد روي عن النبي صلى اللَّه عليه وآله أنّه قال : قد اتّخذ اللَّه صاحبكم خليلا - يعني نفسه - وهذا الوجه اختيار أبي عليّ الجبّائيّ قال : وكلّ ما تعبّد اللَّه به إبراهيم فقد تعبّد به نبيّنا صلى اللَّه عليه وآله وزاده أشياء لم يتعبّد به إبراهيم عليه السّلام .
هامش
( 1 ) الانعام : 79 .