عقوبة اللَّه ، ولا نصيرا أي ناصرا ينصره وينجيه من عذاب اللَّه .
ومن استدلّ بهذه الآية على المنع من جواز العفو عن المعاصي فإنّا نقول له : إنّ من ذهب إلي أنّ العموم لا ينفرد في اللغة بصيغة مختصّة به لا يسلَّم أنّها تستغرق جميع من فعل السوء ، بل يجوز أن يكون المراد بها بعضهم على ما ذكره أهل التأويل كابن عبّاس وغيره على أنّهم قد اتّفقوا على أنّ الآية مخصوصة ، فإنّ التائب ومن كان معصيته صغيرة لا يتناوله العموم فإذا جاز لهم أن يخصّصوا العموم في الآية بالفريقين جاز لنا أن نخصّها بمن يتفضّل اللَّه عليه بالعفو وهذا بيّن والحمد للَّه .
وقوله سبحانه : * ( [ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ] ) * وإنّما قال « وَهُوَ مُؤْمِنٌ » ليبيّن أنّ الطاعة لا تنفع من دون الإيمان * ( [ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ] ) * وعد اللَّه تعالى بهذه الآية جميع المكلَّفين من الرجال والنساء إذا عملوا الأعمال الصالحة أي الطاعات الخالصة ، وهم مؤمنون موحّدون مصدّقون نبيّه بأن يدخلهم الجنّة ويثبتهم فيها ولا يبخسهم شيئا ممّا يستحقّونه من الثواب وإن كان مقدار نقير في الصغر .
وقد قابل سبحانه الوعيد العامّ في الآية الَّتي قبل هذه الآية بالوعد العامّ في هذه الآية ليقف المؤمن بين الخوف والرجاء .
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 125 إلى 126 ] وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَه ُ لِلَّه ِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّه ُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ( 125 ) وَلِلَّه ِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ وَكانَ اللَّه ُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً ( 126 )
المعنى : ثمّ بيّن سبحانه من يستحقّ الوعد الَّذي ذكره قبل فقال : * ( [ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً ] ) * وهو في صورة الاستفهام والمراد به التقرير ومعناه من أصواب طريقا وأهدى سبيلا ؟ أي لا أحد أحسن اعتقادا * ( [ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَه ُ لِلَّه ِ ] ) * أي استسلم وجهه ، والمراد بقوله :
« وَجْهَه ُ » هنا ذاته ونفسه كما قال تعالى : « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ » « 1 » والمعنى : انقاد للَّه سبحانه بالطاعة ولنبيّه صلى اللَّه عليه وآله بالتصديق . وقيل : معنى « أَسْلَمَ وَجْهَه ُ لِلَّه ِ » قصده بالعبادة
هامش
( 1 ) القصص : 88 .