واختلف الفقهاء في قصر الصلاة في السفر فقال الشافعيّ : هي رخصة ، واختاره الجبّائيّ .
وقال أبو حنيفة : هو عزيمة وفرض ، وهذا مذهب أهل البيت عليهم السّلام قال زرارة ومحمّد بن مسلم :
قلنا لأبي جعفر : ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي وكم هي ؟ قال : إنّ اللَّه يقول : « وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ » فصار التقصير واجبا في السفر كوجوب التمام في الحضر .
قالا : قلنا : إنّه قال « لا جناح عليكم * ( أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ » ولم يقل : افعل فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام ؟ قال : أوليس قال تعالى في الصفا والمروة : « فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْه ِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما » « 1 » ، ألا ترى أنّ الطواف واجب مفروض لأنّ اللَّه تعالى ذكرهما في كتابه وصنعهما نبيّه ؟ وكذا التقصير في السفر شيء صنعه رسول اللَّه وذكره اللَّه في الكتاب .
قال : قلت : فمن صلَّى في السفر أربعا أيعيد أم لا ؟ قال : إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسّرت له فصلَّى أربعا أعاد ، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه ، والصلاة في السفر كلّ فريضة ركعتان إلَّا المغرب فإنّها ثلاث ليس فيها تقصير تركها رسول اللَّه في في السفر والحضر ثلاث ركعات .
وفي هذا الخبر دلالة على أنّ فرض المسافر مخالف لفرض المقيم ، وقد اجتمعت الطائفة على ذلك وعلى أنّه ليس بقصر ، وقد روي عن النبيّ أنّه قال : فرض المسافر ركعتان غير قصر ، وعندهم أنّ الخوف بانفراده موجب للقصر ، وفيه خلاف بين الفقهاء .
وذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أنّ اللَّه عنى بالقصر في الآية قصر صلاة الخوف من صلاة السفر لا من صلاة الإقامة ، لأنّ صلاة السفر عندهم ركعتان تمام غير قصر ، فمنهم جابر بن عبد اللَّه وحذيفة اليمان وزيد بن ثابت وابن عبّاس وأبو هريرة وكعب - وكان من الصحابة قطعت يده يوم اليمامة - وابن عمر وسعيد بن جبير والسدّيّ .
وأمّا حدّ السفر الَّذي يجب عنده القصر فعندنا ثمانية فراسخ ، وقيل : مسيرة ثلاثة أيّام بلياليها وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه . وقيل : ستّة عشر فرسخا ثمانية وأربعين ميلا
هامش
( 1 ) البقرة : 158 .