وقيل : معنى الدرجات هي الدرجات التسع الَّتي درّجها في سورة براءة في قوله :
« ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّه ِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِه ِ عَمَلٌ صالِحٌ - إلى قوله - لِيَجْزِيَهُمُ اللَّه ُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » « 1 » فهذه الدرجات التسع ، عن عبد اللَّه بن زيد .
* ( [ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ] ) * هذا بيان خلوص النعيم بأنّه لا يشوبه غمّ بما كان منه من الذنوب بل غفر له ذلك ثمّ رحمه بإعطائه النعم والكرامات * ( [ وَكانَ اللَّه ُ غَفُوراً ] ) * لم يزل اللَّه غفّارا للذنوب صفوحا لعبيده من العقوبة عليها رحيما بهم متفضّلا عليهم .
وقد يسأل فيقال : كيف قال في أوّل الآية : « فَضَّلَ اللَّه ُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً » ثمّ قال في آخرها : « وَفَضَّلَ اللَّه ُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً . دَرَجاتٍ » وهذا متناقض الظاهر ؟
وأجيب عنه بجوابين : أحدهما أنّ في أوّل الآية فضّل اللَّه المجاهدين على القاعدين من اولي الضرر درجة وفي آخرها فضّلهم على القاعدين غير أولي الضرر درجات فلا تناقض لأنّ قوله : « وَكُلًّا وَعَدَ اللَّه ُ الْحُسْنى » يدلّ على أنّ القاعدين لم يكونوا عاصين وإن كانوا تاركين للفضل .
وثانيها ما قاله أبو عليّ الجبّائيّ وهو أنّه أراد بالدرجة الأولى علوّ المنزلة وارتفاع القدر على وجه المدح لهم كما يقال : فلان أعلى درجة عند الخليفة من فلان يريدون بذلك أنّه أعظم منزلة ، وبالثانية الدرجات في الجنّة الَّتي يتفاضل بها المؤمنون بعضهم على بعض على قدر استحقاقهم .
وقال المغربيّ : إنّما كرّر لفظ التفضيل ، لأنّ بالأوّل أراد تفضيلها في الدنيا وأراد بالثاني تفضيلهم في الآخرة . وجاء في الحديث : إنّ اللَّه فضّل المجاهدين على القاعدين سبعين درجة بين كلّ درجتين مسيرة سبعين خريفا للفرس الجواد المضمر .
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 97 إلى 99 ] إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّه ِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ( 97 ) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ( 98 ) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّه ُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّه ُ عَفُوًّا غَفُوراً ( 99 )
هامش
( 1 ) الآية : 121 .