تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
القول إن صحّ فإنّما يدلّ على أنّه لا يختار التوبة مع أنّها لو حصلت لأزالت العقاب . وإذا كان لا بدّ من تخصيص الآية بالتوبة جاز أن يختصّ أيضا بمن تفضّل عليه بالعفو . وروى الواحديّ بإسناده مرفوعا إلى الأصمعيّ قال : جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو ابن العلاء فقال : يا أبا عمرو أيخلف اللَّه ما وعده ؟ فقال : لا ! ، قال : أفرأيت من أوعده على عمل عقابا أيخلف اللَّه وعده فيه ؟ فقال أبو عمرو : من العجمة أتيت يا أبا عثمان ؟ إنّ الوعد غير الوعيد ، إنّ العرب لا تعدّ عارا ولا خلفا أن تعد شرّا ثمّ لا تفعله يرى ذلك كرما وفضلا وإنّما الخلف في أن تعد خيرا ثمّ لا تفعله ، قال : فأوجدني هذا في كلام العرب ؟ قال : نعم سمعت قول الأوّل :
وإنّي وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
ووجد في الدعاء المرويّ بالرواية الصحيحة عن الصادقين عليهما السّلام : « يا من إذا وعد وفي وإذا توعّد عفا » وهذا يؤيّد ما تقدّم ، وقد أحسن يحيى بن معاذ في هذا المعنى حيث قال : الوعد حقّ والوعيد حقّ ، فالوعد حقّ العباد على اللَّه ضمن لهم إذا فعلوا كذا أن يعطيهم كذا ومن أولى بالوفاء من اللَّه ؟ والوعيد حقّة على العباد قال : لا تفعلوا كذا فاعذّبكم ففعلوا ، فإن شاء عفا وإن شاء عاقب لأنّه حقّه ، وألا هما بربّنا العفو والكرم إنّه غفور رحيم . وروى إسحاق بن إبراهيم قال : سمعت قيس بن أنس يقول : كنت عند عمرو بن عبيد في بيته فأنشأ يقول : يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي اللَّه فيقول : قلت : إنّ القاتل في النار فأقول : أنت قلت : « وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً ، ) * ، الآية » ، فقلت له : - وما في البيت أصغر سنّا منّي - أرأيت أن لو قال لك فإنّي قلت : « إِنَّ اللَّه َ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » من أين علمت أنّي لا أشاء أن أغفر لهذا ؟ قال : فما استطاع أن يردّ عليّ شيئا .
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 94 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه ِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّه ِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّه ُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّه َ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 94 ) .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 160 | مير سيد علي الحائري الطهراني