تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
وروى عاصم بن أبي النجود عن ابن عبّاس في قوله : « فَجَزاؤُه ُ جَهَنَّمُ » قال : هي جزاؤه فإن شاء عذّبه وإن شاء غفر له ، وروي عن أبي صالح وبكر بن عبد اللَّه وغيره أنّه كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمره : إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب ، ثمّ إن لم يجاوز بذلك لم يكن ذلك منه كذبا . واعترض على هذا أبو عليّ الجبّائيّ فقال : ما لا يفعل لا يسمّى جزاء ألا ترى أنّ الأجير إذا استحقّ الأجرة فالدراهم الَّتي مع مستأجره لا تسمّى بأنّها جزاء عمله ، وهذا لا يصحّ لأنّ الجزاء عبارة عن المستحقّ سواء فعل ذلك أو لم يفعل ، ولهذا يقال : جزاء المحسن الإحسان وجزاء المسئ الإساءة . وإن لم يتعيّن المحسن والمسيء حتّى يقال : إنّه فعل ذلك به أو لم يفعل . ويقال لمن قتل غيره : جزاء هذا أن يقتل ، وإنّما لا يقال للدراهم : إنّها جزاء الأجير لأنّ الأجير إنّما يستحقّ الأجرة في الذمّة لا في دراهم معيّنة ، فللمستأجر أن يعطيه منها ومن غيرها . ومن تعلَّق بهذه الآية من أهل الوعيد في أنّ مرتكب الكبيرة لا بدّ أن يخلَّد في النار فإنّا نقول له : ما أنكرت أن يكون المراد به من لا ثواب له أصلا بأن يكون كافرا أو يكون قتله مستحلَّا لقتله أو قتله لإيمانه ، فإنّه لا خلاف أنّ هذا صفة من يخلَّد في النار ، ويعضده من الرواية ما تقدّم ذكره في سبب نزول الآية وأقوال الأئمّة في معناها ، وبعد فقد وافقنا على أنّ الآية مخصوصة بمن لا يتوب وأنّ التائب خارج عن عمومها . وأمّا ما روي عن ابن عبّاس أنّه قال : لا توبة لقاتل المؤمن إذا قتله في حال الشرك ثمّ أسلم وتاب ، وبه قال ابن مسعود وزيد بن ثابت ، فالأولى أن يكون هذا القول منهم محمولا على سلوك سبيل التغليظ في القتل ، كما روي عن سفيان الثوريّ أنّه سئل عن توبة القاتل فقال : كان أهل العلم إذا سألوا قالوا : لا توبة له وإذا ابتلى الرجل قالوا له : تب . وروى الواحديّ بإسناده مرفوعا إلى عطاء عن ابن عبّاس أنّ رجلا سأله القاتل المؤمن توبة ؟ فقال : لا ، وسأله آخر القاتل المؤمن توبة ؟ فقال : نعم . فقيل له في ذلك فقال جاءني ذلك ولم يكن قتل فقلت لا توبة لك لكي لا يقتل ، وجاءني هذا وقد قتل قلت : لك توبة لكي لا يلقي نفسه بيده إلى التهلكة . ومن قال من أصحابنا : إنّ قاتل المؤمن لا يوفّق للتوبة لا ينافي ما قلناه ، لأنّ هذا