تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
ولمّا كان المنكرون نبوّته صلى اللَّه عليه وآله يعتقدون أنّه متخرّص فلا جرم أمرهم اللَّه بأن يتفكّروا في صحّة نبوّته بالدليل فقال : * ( [ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ] ) * والتدبّر عبارة عن النظر في عاقبة الأمور وأدبارها . ودلالة القرآن على صحّة نبوّته وصدق محمّد صلى اللَّه عليه وآله من ثلاثة أوجه : أحدها فصاحته وثانيها : اشتماله على الأخبار عن الغيوب والثالث : سلامته عن الاختلاف وكان المنافقون يتواطئون في السرّ على أنواع من المكر والكيد واللَّه سبحانه يطَّلع الرسول حالا فحالا ويخبره فذلك لو لم يحصل بأخبار اللَّه وإلَّا لما اطَّرد الصدق وكان يظهر في قول محمّد صلى اللَّه عليه وآله أنواع الاختلاف فلمّا لم يظهر ذلك علم أنّ ذلك بإخبار اللَّه إيّاه . والقرآن كتاب كبير ومشتمل على أنواع كثيرة من العلوم فلو كان من عند غير اللَّه لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة ، والقرآن يصدّق بعضه بعضا . فإن قيل : أليس قوله مثلا : « فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ » « 1 » كالمناقس لقوله : « فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِه ِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ » « 2 » وكذلك آيات الجبر كالمناقضة لآيات القدر ؟ فالجواب أنّ هذا كلام من لا يعلم علم التفسير وإلَّا فمعلوم عند أهل العلم أنّه لا منافاة ولا مناقضة بين شيء منها البتّة . قال أبو مسلم الإصفهانيّ : إنّ عدم الاختلاف حاصل أيضا في الفصاحة بحيث لا يكون في جملته ما يعدّ في الكلام الركيك بل بقيت الفصاحة فيه من أوّله إلى آخره على نهج واحد ومن المعلوم أنّ الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني الكثيرة فلا بدّ وأن يظهر التفاوت في كلامه بحيث كان بعضه قويّا محكما وبعضه منحلَّا نازلا ، ولمّا لم يكن القرآن كذلك علمنا أنّه المعجز ومن عند اللَّه . وحاصل المعنى : أفلا يتفكّر اليهود والمنافقون في القرآن إذ ليس فيه خلل ولا تناقض ليعلموا أنّهم لا يقدرون على مثله وأنّه حجّة وليس من كلام أحد من الخلق وهو مشتمل على أنواع من الحكم من أمر بحسن ونهي عن قبيح وخبر صادق ودعوة إلى مكارم الأخلاق
هامش
( 1 ) الحجر : 92 . ( 2 ) الرحمن : 39 .