تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
وقال عليّ بن عيسى : إنّ ما يزاد لا يولم ولا هو بعض لما يولم وإنّما هو شيء يصل بواسطته الألم إلى المستحقّ له . وقال الزجّاج والبلخيّ والجبّائيّ : إنّ اللَّه يجدّدها بأن يردّها إلى الحالة الَّتي كانت عليها غير محترقة كما إذا انكسر خاتم فاتّخذ منه خاتم آخر يقال له : هذا غير الخاتم الأوّل وإن كان أصلهما واحدا ، فعلى هذا يكون الجلد واحدا وإنّما يتغيّر الأحوال عليه فالتعذيب يقع على العاصي . وأمّا من قال : إنّ الإنسان غير هذه الجملة المشاهدة وأنّه المعذّب في الحقيقة فقد تخلَّص من هذا السؤال لأنّ المعذّب هو الإنسان وذلك الجلد ما كان جزءا من ماهيّة الإنسان بل كان كالشئ الملتصق به الزائد على ذاته فإذا جدّد اللَّه الجلد وصار ذلك الجلد الجديد سببا لوصول العذاب إليه لم يكن ذلك تعذيبا إلَّا للعاصي . وقيل : إنّ المراد بالجلود السرابيل قال : « سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ » « 1 » فتجديد الجلود إنّما هو تجديد السرابيل . وهذا خلاف الظاهر قال القاضي عبد الجبّار الهمدانيّ : إنّ السرابيل لا توصف بالنضج وإنّما توصف بالاحتراق . قال الرازيّ : يمكن أن يقال : هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع كما يقال لما يراد وصفه بالدوام : كلَّما انتهى فقد ابتدأ وكلَّما وصل إلى آخره فقد ابتدأ من أوّله ، فكذا قوله : « كُلَّما نَضِجَتْ » يعني كلَّما ظنّوا أنّهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوّة جديدة من الحياة بحيث ظنّوا أنّهم الآن حدثوا ووجدوا فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه . وقال السدّيّ : إنّه تعالى يبدّل الجلود من لحم الكافر فيخرج من لحمه جلدا آخر . قوله : * ( [ لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ] ) * أي ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز : أعزّك اللَّه ، أي أدامك على العزّ وإلَّا فهم ذائقون مستمرّون عليه . وإنّما عبّر سبحانه العذاب بالذوق مع أنّه سبحانه وصف حال الكفّار في أشدّ العذاب والذوق إدراك قليل من الشيء ليبيّن أنّهم كالمبتدء عليهم العذاب في كلّ حال فيحسّون آنا فآنا ألما لكن لا كمن يستمرّ به الشيء فإنّه يصير أخفّ عليه .
هامش
( 1 ) إبراهيم : 50 .