وقد أخطأ منهجُ الجماعة الوهابية عند حديثه عن عقيدة النصّ على إمامة الأئمة الاثني عشر ، وغَفِل عن الدراسة العميقة للحديث الذي أجمع عليه كل المسلمين على اختلاف مذاهبهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « لا يزال الدين محفوضاً ما وليهم اثنا عشر » ( 1 ) . كما أنّهم لم يكلفوا أنفسهم بمراجعة محتويات ومضامين الأدلة القوية من الكتاب والسنّة التي يقدمها الاثنا عشرية لاثبات إمامة الأئمة الاثني عشر ، ثم يقولون - من دون علم - إنّ هذه العقيدة من صنع الغلاة ومن مقالات المجوسية ! !
إننا نعتقد أنّ مذهب الاثني عشرية يطير بجناحين :
أحدهما : حديث الثقلين ( 2 ) .
والجناح الآخر : حديث الاثني عشر .
وما لم تدرك الوهابية هذين الحديثين لا يمكن لها أن تفهم حقائق وخصائص المذهب الاثني عشري .
هامش
( 1 ) انظر مصادر حديث الاثني عشر الفصل الأول من الباب الثالث عند دراستنا المفصّلة لهذه الحقيقة في كتاب ( رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية ) .
( 2 ) قال الكاتب الوهابي الذائع الصيت الدكتور محمد علي البار - حفظه الله - في كتابه ( الإمام علي الرضا ورسالته الطبية ) تحت عنوان : ( حديث الثقلين ) :
« وقد أخرج مسلم في صحيحه حديث زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال : قام رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فينا خطيباً بماء يدعى خُمّا بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر ثم قال : أما بعد ؛ ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين : أو لهما كتاب الله فيه الهدى والنور ؛ فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحث على كتاب الله ورغّب فيه ، ثم قال : وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي . . . » .
وحديث الثقلين هذا قد ورد في سنن الترمذي عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : « إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، أحدهما أثقل من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ؛ فانظروا كيف تخلفوني فيهما » .
ثم قال الشيخ السعودي الوهابي :
« والغريب حقاً أن حديث الثقلين هذا ، رغم وروده في صحيح مسلم وفي سنن الترمذي ، وحسّنه الحاكم النيسابوري في المستدرك ومسند الإمام أحمد ، إلا أنّ معظم المعاصرين من العلماء والخطباء يجهله أو يتجاهله ، ويوردون بدلاً عنه حديث « إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً : كتاب الله ، وسنتي » . وهو في موطأ الإمام مالك ، وفي سنده ضعف وانقطاع ، وإن كان متنه ومعناه صحيحاً . وكان من الواجب إيراد الحديثين كلاهما معاً لاهميتهما في الباب ، أما كتمان هذا الحديث الشريف الصحيح فهو مِنْ كتمان العلم الذي هدّد الله ورسولَهُ فاعلَه . . . » .
وقال العلامة الحافظ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله - في ( سلسلة الأحاديث الصحيحة ) :
« حديث العترة وبعض طرقه - 1761 - : يا أيّها الناس ! إني قد تركتُ فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا : كتابَ الله ، وعترتي أهل بيتي » .
ثم قال الألباني : ( . . الحديث صحيح ، فإن له شاهداً من حديث زيد بن أرقم . . . أخرجه مسلم ( 7 / 122 - 123 ) والطحاوي في ( مشكل الآثار ) ( 4 / 368 ) ، وأحمد ( 4 / 366 - 367 ) وابن أبي عاصم في ( السنة ) ( 1550 و 1551 ) ، والطبراني ( 5026 ) من طريق يزيد بن حيان التميمي عنه ، ثُمّ أخرجه أحمد ( 4 / 371 ) والطبراني ( 5040 ) والطحاوي من طريق علي بن ربيعة قال : « لقيت زيد بن أرقم وهو داخل على المختار أو خارج من عنده ، فقلت له : أسمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ؟ قال : نعم » . واسناده صحيح ، رجاله رجال الصحيح ، وله طرق أخرى عند الطبراني ( 4969 - 4971 و 4980 - 4982 و 4050 ) وبعضها عند الحاكم ( 3 / 109 أو 148 و 533 ) ، وصحح هو والذهبي بعضها .
وشاهد آخر من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً : « إني أوشك أن أدعى فأجيب ، وإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي ؛ الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر ؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ، ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض » أخرجه أحمد ( 3 / 14 و 17 و 26 و 59 ) ، وابن أبي عاصم ( 1553 و 1555 ) والطبراني ( 2678 - 2679 ) والديلمي ( 2 / 1 / 45 ) ، وهو إسناد حسن في الشواهد ، وله شواهد أخرى من حديث أبي هريرة عند الدارقطني ( ص 529 ) والحاكم ( 1 / 93 ) والخطيب في الفقيه ( 56 / 1 ) وابن عباس عند الحاكم ، وصححه ووافقه الذهبي ) .
ثم ذكر الألباني تخريجات كثيرة للحديث وقال : « بعد تخريج الحديث بزمن بعيد كتب عليّ أن أهاجر من دمشق إلى عمان ، ثُمّ أن أسافر منها إلى الإمارات العربية . . فلقيت في قطر بعض الأساتذة والدكاترة الطيبين ، فأهدى إليّ أحدهم رسالة له مطبوعة في تضعيف هذا الحديث ، فلما قرأتها تبين لي أنه حديث عهد بهذه الصناعة ، وذلك من ناحيتين ذكرتهما له :
الأولى : إنّه اقتصر في تخريجه على بعض المصادر المطبوعة المتداولة ، ولذلك قصر تقصيراً في تحقيق الكلام عليه ، وفاته كثير من الطرق والأسانيد التي هي بذاتها صحيحة أو حسنة فضلاً عن الشواهد والمتابعات ، كما يبدو لكل ناظر يقابل تخريجه بما خرجته هنا .
الثانية : إنّه لم يلتفتْ إلى أقوال المصححين للحديث من العلماء ، ولا إلى قاعدتهم التي ذكروها في مصطلح الحديث : ( إن الحديث الضعيف يتقوى بكثرة الطرق ) ، فوقع في هذا الخطأ الفادح من تضعيف الحديث الصحيح .
وكان قد نمي إليّ قبل الالتقاء به واطلاعي على رسالته أن أحد الدكاترة في الكويت يضعف هذا الحديث ، وتأكدت من ذلك حين جاءني خطاب من أحد الإخوة هناك ، يستدرك عليَّ إيرادي الحديث في ( صحيح الجامع الصغير ) بالأرقام ( 2453 و 2454 و 2745 و 7754 ) ، لأن الدكتور المشار إليه قد ضعفه ، وأن هذا استغرب مني تصحيحه ! ويرجوا الأخ المشار إليه أن أعيد النظر في تحقيق هذا الحديث ، وقد فعلت ذلك احتياطاً ، فلعله يجد فيه ما يدل على خطأ الدكتور ، وخطئه هو في استرواحه واعتماده عليه ، وعدم تنبّهه للفرق بين ناشئ في هذا العلم ومتمكن فيه ، وهي غفلة أصابت كثيراً من الناس الذين يتبعون كل مَنْ كتب في هذا المجال ، وليستْ له قدم راسخة فيه . والله المستعان » . انتهى كلام الشيخ الإمام الألباني رضوان الله عليه .
وإنما ذكرته بتمامه لأنني رأيت أن الوهابيين ما زالوا يطبعون ويوزعون كتاب الدكتور ( علي أحمد السالوس ) حول تضعيف حديث الثقلين ، وهم يعلمون أنّ هذا الدكتور لا علم له بالحديث ولا برجاله ، وهم يعلمون - أيضاً - أن الألباني لم يذكر هذا الكلام بطوله إلا للردِ على الدكتور علي أحمد السالوس .