عليه عذاب مقيم ، ثمّ التفت إلى قبر أبيها فتمثّلت بقول هند بنت أثاثه :
قد كان بعدك أنباء وهيمنة
لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
أبدت رجال لنا نجوى صدورهم
لمّا قضيت وحالت دونك الكتب
تجهّمتنا رجال واستخفّ بنا
إذ غبت عنّا فنحن اليوم نغتصب
قال : ولم ير الناس أكثر باك ولا باكية منهم يومئذ : ثمّ عدلت إلى مسجد الأنصار فقالت : يا معشر البقيّة ، وأعضاد الملَّة ، وحضنة الاسلام ، ما هذه الفترة عن نصرتي ، والونية عن معونتي ، والغمزة في حقّي ، والسّنة عن ظلامتي ، أما كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله يقول : « المرء يحفظ في ولده » سرعان ما أحدثتم ، وعجلان ما أتيتم ، الان مات رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله أمتّم دينه ، ها إنّ موته لعمري خطب جليل استوسع وهنه ، واستبهم فتقه ، وفقد راتقه ، واظلمت الأرض له ، وخشعت الجبال وأكدت الآمال ، أضيع بعده الحريم ، وهتكت الحرمة ، واذيلت المصونة ، وتلك نازلة أعلن بها كتاب اللَّه قبل موته ، وأنبأكم بها قبل وفاته ، فقال « وما محمّد إلَّا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللَّه شيئا ، وسيجزي اللَّه الشاكرين : 144 - آل عمران » .
أيها بنى قيلة أأهتضم تراث أبي ، وأنتم بمرأى ومسمع ، تبلغكم الدعوة ويشملكم الصوت ، وفيكم العدّة والعدد ، ولكم الدار والجنن ، وأنتم نخبة اللَّه الَّتي انتخب ، وخيرته الَّتي اختار ، باديتم العرب ، وبادهتم الأمور ، وكافحتم البهم ، حتّى دارت بكم رحى الاسلام ، ودرّ حلبه ، وخبت نيران الحرب ، وسكنت فورة الشرك ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوثق نظام الدين ، أفتأخّرتم بعد الإقدام ، ونكصتم بعد الشدّة ، وجبنتم بعد الشجاعة عن قوم « نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمّة الكفر إنّهم لا أيمان لهم لعلَّهم ينتهون » ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، وركنتم إلى الدعة ، فجحدتم الَّذي وعيتم ، وسغتم الَّذي سوّغتم ، وإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فانّ اللَّه لغنيّ حميد .