قوله عليه السّلام ( وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه ) فيستفاد منه أنّه قرّر على عمّاله احتياطا في الدين فوق حدّ العدالة الَّتي كانت شرطا في تصدّي هذه المناصب الجليلة .
قال ابن ميثم في شرح المقام : « ويفهم منه بحسب التأديب الأوّل أنّ التنزّه عن هذا المباح أفضل له من تناوله » فحمل كلامه عليه السّلام على الوجه الثاني وهو أوضح ، لأنّ مقام هذا الصحابي الكبير أجلّ من أن ينال ما لا يحلّ له من الطعام جهلا بالمسألة أو تسامحا في أمر دينه فكان هذا التشدّد منه عليه السّلام عليه لعلوّ رتبته ، فنبّه عليه السّلام على أنّه لا يليق هذا العمل بمثله وإن كان لا بأس عليه لغيره ممّن لم ينل مقامه في العلم والورع .
ثمّ توجّه عليه السّلام إلى بيان منظَّمة لعمّاله أو مطلق شيعته ، ولخصّها في كلمتين : 1 - الاقتداء بالامام في العمل والسيرة .
2 - الاستضائة من نور علمه والأخذ بدستوره في كلّ الأمور ، والاقتداء بالامام عملا وأخذ دستور العمل منه ، كلاهما سلوك طريق النجاة ولكنّ الثاني أعمّ ، فانّه يشمل الغايب عن محضر الامام ويشمل التكاليف الخاصّة بالمأموم دون الامام ، وهى كثيرة جدّا .
ثمّ لخصّ عليه السّلام سيرته في كلمتين لتكون مدار العمل لعمّاله وللاقتداء به عليه السلام : 1 - الاكتفاء من رياش الدنيا ولباسها وزينتها بطمرين أي ثوبين باليين إزار ورداء من غير صوف يلبسه أحوج الناس .
2 - الاكتفاء من طعامها وغذائها ولذائذها بقرصين من خبز الشعير اليابس الفارغ عن الادام .
وقد مثّل عليه السّلام في هذه الكلمتين الزهد بأدقّ معانيه وأشقّ ما فيه بحيث جعله من كراماته وأنّه ممّا لا يقدر على العمل به غيره فقال عليه السّلام : ( ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ) .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 93
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٩٣