وقد تعرّض عليه السّلام في هذا الفصل من عهده للأشتر عليه الرحمة حين ولَّاه مصر إلى القوّة القضائيّة وما يلزم في القاضي من الأوصاف والألقاب ليكون أهلا لتصدّي منصب القضاء والحكم بين الناس فقال ( ثمّ اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ) فقد أدرج عليه السّلام في هذه الجملة استقلال القوّة القضائيّة حيث إنّ المتصدّي للقضاء لا بدّ وأن يكون من أفضل أفراد الامّة ، وإذا كان من أفضل أفراد الامّة فيكون مستقلَّا في أمره ولا يتسلَّط عليه غيره لأنّ المفضول لا يحكم على الفاضل والأفضل ، مضافا إلى ما أكَّد ذلك الاستقلال بما ذكره عليه السّلام في آخر الفصل من قوله ( وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصّتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك ) .
ثمّ فسّر عليه السّلام الأفضل بمن يحوز ألقابا ستّة : 1 - لا تضيق به الأمور لقلَّة الإحاطة بوجوه تدبيرها وعدم قوّة التحليل والتجزية للقضايا الواردة عليه فيحار فيها ويعرضه الشكّ والترديد في حلَّها وفصلها .
2 - ولا تمحكه الخصوم ، قال في الشرح المعتزلي : جعله ما حكا أي لجوجا ، وقال ابن ميثم : أي يغلبه على الحقّ باللَّجاج ، وقيل : ذلك كناية عن كونه ممّن يرتضيه الخصوم فلا تلاجّه ويقبل بأوّل قوله .
أقول : يمكن أن يكون كناية عن كونه بشدّة صلابته في أمره وهيبة ايمانه وتمسّكه بالحقّ بحيث لا يطمع الخصوم في جعله محكا يمتحنونه هل يقبل الرشوة أم لا وهل يؤثّر فيه التطميع والتهديد أم لا 3 - ولا يتمادى في الزّلَّة ، حيث إنّ القاضي في معرض الاشتباه دائما من جهة تحيّل المترافعين وتشبّث كلّ واحد منهما في جلب نظر القاضي إلى الاعتماد بكون الحقّ له فإذا عرض له رأى ثمّ كشف له أنّه خلاف الحقّ لا يتمادى في الزلَّة ولا يصعب عليه الرجوع إلى الحقّ .
4 - لا يحصر من الرجوع إلى الحقّ إذا عرفه ، قال الشارح المعتزلي :
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 233
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٣٣