تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
أصحابه بالزهد وقلَّة الأكل والمواظبة على جشوبة العيش ، فدفعه عليه السّلام بأنّ القوّة والشجاعة ذاتيّة للمؤمن ولا تتوقّف على تقوية الجسم بالأغذية اللذيذة . ثمّ أيّد سيرته هذه بمتابعته للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله فقال : ( أنا من رسول اللَّه ) كغصنان من أصل واحد فأصلهما عبد المطلب عليه السّلام تفرّع منه عبد اللَّه أبو النبيّ وأبو طالب أبو عليّ عليه السّلام أو أنّهما مشتقّان من أصل نوريّ واحد في تسلسل الوجود وانبعاثه عن المصدر الأزلي كما في غير واحد من الأخبار ، وعن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله قال : أنا وعليّ من شجرة واحدة وسائر النّاس من شجر شتّى . وهذه الرواية تؤيّد النسخة الَّتي روت قوله ( كالصّنو من الصّنو ) بالصّاد المهملة بعدها نون معجمة . ونسخة شرح ابن أبي الحديد « 289 ج 16 ط مصر » : « كالضوء من الضوء » بالضّاد المعجمة ، وبهذا الاملاء فسّره في شرحه فقال : ( ص 290 ) وذلك لأنّ الضّوء الأوّل يكون علَّة في الضّوء الثاني ، ألا ترى أنّ الهواء المقابل للشّمس يصير مضيئا من الشّمس ، فهذا الضوء هو الضوء الأوّل . ثمّ إنّه يقابل وجه الأرض فيضيء وجه الأرض منه ، فالضوء الَّذي على وجه الأرض هو الضوء الثاني ، وما دام الضّوء الأوّل ضعيفا فالضّوء الثاني ضعيف ، فإذا ازداد الجوّ إضاءة ازداد وجه الأرض إضاءة لأن المعلول يتبع العلَّة ، فشبّه عليه السّلام نفسه بالضوء الثاني ، وشبّه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله بالضوء الأوّل ، وشبّه منبع الأضواء والأنوار سبحانه وجلَّت أسماؤه بالشّمس الَّتي توجب الضوء الأوّل ، ثمّ الضوء الأوّل يوجب الضّوء الثاني ، وها هنا نكتة وهي أن الضوء الثاني يكون أيضا علَّة لضوء ثالث ، وذلك أنّ الضوء الحاصل على وجه الأرض - وهو الضوء الثاني - إذا أشرق على جدار مقابل ذلك الجدار قريبا منه مكان مظلم ، فانّ ذلك المكان يصير مضيئا بعد أن كان مظلما . أقول : قد اعتبر الشارح المذكور لفظة من في كلامه نشويّة فيصير المعنى وأنا من رسول اللَّه كالضوء الناشي من الضّوء ، واستفاد منه تسلسل أنواع العلوم والإفاضات إلى سائر النّاس بوساطته جيلا بعد جيل إلى أن يضعف ويضمحلّ ويعود
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 121 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي