قلت : كنت ذات ليلة متفكرا في أمري من حشري معادي وناظرا في صحيفة عملي ، ويوم عرضي للحساب ونحوها إذ رأيت فيما رأيت في صقع نفسي شيئا لازبا بها جدّا ، محشورا عندها غير منفك عنها ، ولمّا أمعنت النظر فيه عرفته ، وكان نسخة مخطوطة من كتاب ، قد كنت احبّها شديدا فعندئذ حضر وخطر بالبال ، قوله عليه السلام : فلو أنّ رجلا تولَّى حجرا لحشره اللَّه تعالى معه يوم القيامة ، فإنّ الكتاب جماد كالحجر ولا فرق بينهما من هذه الحيثيّة .
ومن تلك البراهين النقلية المعاضدة للعقلية قال أساطين الحكمة : إنّ حشر الخلائق في الآخرة على أنحاء مختلفة حسب أعمالهم وأخلاقهم فلقوم على سبيل الوفد ، يوم نحشر المتّقين إلى الرحمن وفدا ، ولقوم على سبيل التعذيب ويوم يحشر أعداء اللَّه إلى النار فهم يوزعون ، ولقوم نحشر المجرمين يومئذ زرقا ولقوم ونحشره يوم القيمة أعمي ، وبالجملة كل أحد إلى غاية سعيه وعمله وإلى ما يحبّه ويهواه حتّى أنّه لو أحبّ حجرا لحشر معه لقوله تعالى : * ( إِنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ) * ، وقوله تعالى : * ( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأَزْواجَهُمْ وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ ) * .
والمراد بأزواجهم الملكات وصورها فان تكرّر الأفاعيل يوجب الملكات وكلّ ملكة تغلب على نفس الإنسان تتصور في القيامة بصورة تناسبها ، قل كلّ يعمل على شاكلته ، ولا شك أن أفاعيل الأشقياء المدبرين إنّما هي بحسب هممهم القاصرة النازلة في مراتب البرازخ الحيوانية وتصوراتهم مقصورة على أغراض بهيميّة أو سبعيّة أو شيطانيّة تغلب على نفوسهم فلا جرم يحشرون على صور تلك الحيوانات ، وإذا الوحوش حشرت ، وفي الحديث عنه صلى اللَّه عليه وآله يحشر بعض النّاس على صور يحسن عندها القردة والخنازير ، وفيه أيضا يحشر النّاس يوم القيامة ثلاثة أصناف : ركبانا ، ومشاة ، وعلى وجوههم .
والسرّ في ذلك أن لكلّ خلق من الأخلاق المذمومة والهيئات الردية المتمكنّة في النفس صورة نوع من أنواع الحيوانات وبدن يختصّ بذلك كصور
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 303
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٠٣