تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
كانت صقيلة ، فهذا قياس النفس لأنّ المرآة إذا كانت صدئة لم يتبيّن صورة شيء فيها بتّة ، فإذا زال منها الصدء ظهرت وتبيّنت فيها جميع الصور ، كذلك النفس العقلية إذا كانت صدئة دنسة كانت على غاية الجهل ولم يظهر فيها صور المعلومات وإذا تطهّرت وتهذّبت وانصقلت ، وصفاء النفس هو أنّ النفس تتطهّر من الدنس وتكتسب العلم ظهر فيها حينئذ صورة معرفة جميع الأشياء ، وعلى حسب جودة صقالتها تكون معرفتها بالأشياء ، فالنفس كلما ازدادت صقالا ظهر لها وفيها معرفة الأشياء . وهذه النفس لا تنام بتّة لأنّها في وقت النوم تترك استعمال الحواس وتبقى محصورة ، ليست بمجرّدة على حدتها ، وتعلم كلّ ما في العوالم وكلّ ظاهر وخفي ولو كانت هذه النفس تنام لما كان الإنسان إذا رأى في النوم شيئا يعلم أنه في النوم بل لا يفرق بينه وبين ما كان في اليقظة . وإذا بلغت هذه النفس مبلغها في الطهارة رأت في النوم عجائب من الأحلام وخاطبتها الأنفس الَّتي قد فارقت الأبدان وأفاض عليها الباري من نوره ورحمته فتلتذّ حينئذ لذّة دائمة فوق كل لذّة تكون بالمطعم والمشرب والنكاح والسماع والنظر والشمّ واللمس ، لأنّ هذه لذات حسيّة دنسة تعقب الأذي ، وتلك لذّة إلهيّة روحانيّة ملكوتيّة تعقب الشرف الأعظم ، والشقي المغرور الجاهل من رضى لنفسه بلذّات الحسّ وكانت هي أكثر أغراضه ومنتهى غايته . وإنما نجيء في هذا العالم في شبه المعبر والجسر الَّذي يجوز عليه السيّارة ليس لنا مقام يطول ، وأما مقامنا ومستقرّنا الَّذي نتوقع فهو العالم الأعلى الشريف الَّذي تنتقل إليه نفوسنا بعد الموت حيث تقرب من باريها ، ونقرب من نوره ورحمته ، ونراه رؤية عقليّة لا حسيّة ، ويفيض عليها من نوره ورحمته ، فهذا قول افسقورس الحكيم . انتهى ما نقلنا عن الفيلسوف الكندي . وقد صدر هذه النكات اللطيفة الشريفة عن قلوب نقيّة ، وهي كلمات اقتبست من مشكاة الأنبياء غاية الأمر بوسائط ، والملهم المبتدع القديم حقّ عليم منّه عظيم .