تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
فتحمله على ارتكاب الأمر العظيم فتضادّها هذه النفس وتمنع الغضب من أن يفعل فعله أو أن يرتكب الغيظ وترته ، وتضبطه كما يضبط الفارس الفرس إذا همّ أنّ يجمح به أو يمدّه . وهذا دليل بيّن على أنّ القوّة الَّتي يغضب بها الإنسان غير هذه النفس الَّتي تمنع الغضب أن يجري إلى ما يهواه لأنّ المانع لا محالة غير الممنوع لأنّه لا يكون شيء واحد يضادّ نفسه ، فأمّا القوّة الشهوانية فقد تتوق في بعض الأوقات إلى بعض الشهوات ففكَّر النفس العقليّة في ذلك أنّه أخطأ وأنّه يؤدي إلى حال رديّة فتمنعها عن ذلك وتضادها ، وهذا أيضا دليل على أنّ كلّ واحدة منهما غير الأخرى . وهذه النفس الَّتي هي من نور الباري عزّ وجلّ إذا هي فارقت البدن علمت كلّ ما في العالم ولم يخف عنها خافية ، والدليل على ذلك قول أفلاطن حيث يقول : إنّ كثيرا من الفلاسفة الطاهرين القدماء لما يتجرّدوا من الدّنيا وتهاونوا بالأشياء المحسوسة وتفرّدوا بالنظر والبحث عن حقائق الأشياء انكشف لهم الغيب ، وعلموا بما يخفيه الناس في نفوسهم واطَّلعوا على سرائر الخلق . فإذا كان هذا هكذا ، والنفس بعد مرتبطة بهذا البدن في هذا العالم المظلم الَّذي لولا نور الشمس لكان في غاية الظلمة فكيف إذا تجرّدت هذه النفس ، وفارقت البدن ، وصارت في عالم الحقّ الَّذي فيه نور الباري سبحانه . ولقد صدق أفلاطن في هذا القياس وأصاب به البرهان الصحيح ، ثمّ إنّ أفلاطن أتبع هذا القول بأن قال : فأمّا من كان غرضه في هذا العالم التلذّذ بالماكل والمشارب المستحيلة إلى الجيف ، وكان أيضا غرضه في لذّة الجماع فلا سبيل لنفسه العقلية إلى معرفة هذه الأشياء الشريفة ولا يمكنها الوصول إلى التشبّه بالباري سبحانه . ثمّ إنّ أفلاطن قاس القوّة الشهوانيّة الَّتي للإنسان بالخنزير ، والقوّة الغضبيّة بالكلب ، والقوّة العقليّة الَّتي ذكرنا بالملك ، وقال : من غلبت عليه
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 298 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي