الشهوانيّة وكانت هي غرضه وأكثر همته فقياسه قياس الخنزير ، ومن غلب عليه الغضبيّة فقياسه قياس الكلب ، ومن كان الأغلب عليه قوّة النفس العقلية وكان أكثر أدبه الفكر والتمييز ومعرفة حقائق الأشياء ، والبحث عن غوامض العلم كان انسانا فاضلا قريب الشبه من الباري سبحانه لأنّ الأشياء الَّتي نجدها للباري عزّ وجلّ هي الحكمة والقدرة والعدل والخير والجميل والحقّ .
وقد يمكن للإنسان أن يدبّر نفسه بهذه الحيلة حسب ما في طاقة الإنسان فيكون حكيما عدلا جوادا خيّرا يؤثر الحقّ والجميل ، ويكون بذلك كلَّه بنوع دخل دون النوع الَّذي للباري سبحانه من قوّته وقدرته لأنّها إنما اقتبست من قربها قدرة مشاكلة لقدرته ، فإنّ النفس على رأى أفلاطن وجلَّة الفلاسفة باقية بعد الموت جوهرها كجوهر الباري عزّ وعلا في قوّتها إذا تجرّدت أن تعلم سائر الأشياء كما يعلم الباري بها أو دون ذلك برتبة يسيرة ، لأنها أودعت من نور الباري جلّ وعزّ .
وإذا تجرّدت وفارقت هذا البدن وصارت في عالم العقل فوق الفلك صارت في نور الباري ، ورأت الباري عزّ وجلّ وطابقت نوره وجلَّت في ملكوته فانكشف لها حينئذ علم كلّ شيء ، وصارت الأشياء كلَّها بارزة لها كمثل ما هي بارزة للبارى عزّ وجلّ ، لأنّا إذا كنّا ونحن في هذا العالم الدنس قد نرى فيه أشياء كثيرة بضوء الشمس فكيف إذا تجرّدت نفوسنا ، وصارت مطابقة لعالم الديموميّة وصارت تنظر بنور الباري فهي لا محالة ترى بنور الباري كلّ ظاهر وخفىّ وتقف على كلّ سرّ وعلانية .
وكان أفسقورس يقول : إنّ النفس إذا كانت وهي مرتبطة بالبدن تاركة للشهوات متطهّرة من الأدناس ، كثيرة البحث والنظر في معرفة حقائق الأشياء انصقلت صقالة ظاهرة واتّحد بها صورة من نور الباري يحدث فيها ويكامل نور الباري بسبب ذلك الصقال الَّذي اكتسبه من التطهر فحينئذ يظهر فيها صور الأشياء كلَّها ومعرفتها كما يظهر صور خيالات سائر الأشياء المحسوسة في المرآة إذا
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 299
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٩٩