وكلامه - ره - في النشات الثلاثة الإنسانيّة تشير إلى ما برهنه المتألَّه المولى صدرا في الرابع من الأسفار حيث قال قدّس سرّه : حكمة عرشية : إنّ للنفس الإنسانية نشئات ثلاثة إدراكية : النشأة الأولى هي الصورة الحسيّة الطبيعية ومظهرها الحواس الخمس الظاهرة ويقال لها الدنيا لدنوّها وقربها لتقدمها على الأخيرتين ، وعالم الشهادة لكونها مشهودة بالحواس وشرورها وخيراتها معلومة لكلّ أحد لا يحتاج إلى البيان وفي هذه النشأة لا يخلو موجود عن حركته واستحالته ووجود صورتها لا تنفك عن وجود مادّتها .
والنشأة الثانية هي الأشباح والصور الغائبة عن هذه الحواس ومظهرها الحواس الباطنة ويقال لها عالم الغيب والآخرة لمقايستها إلى الأولى لأنّ الآخرة والأولى من باب المضاف ، ولهذا لا يعرف إحداهما إلَّا مع الأخرى كالمتضايفين كما قال تعالى : * ( ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ) * ، وهي تنقسم إلى الجنّة وهي دار السعداء ، والجحيم وهي دار الأشقياء ، ومبادى السعادات والشقاوات فيهما هي الملكات والأخلاق الفاضلة والرذيلة .
والنشأة الثالثة هي العقليّة وهي دار المقرّبين ودار العقل والمعقول ومظهرها القوّة العاقلة من الإنسان إذا صارت عقلا بالفعل ، وهي لا تكون إلَّا خيرا محضا ونورا صرفا فالنشأة الأولى دار القوّة والاستعداد والمزرعة لبذور الأرواح ونبات النيّات والاعتقادات ، والاخريتان كلّ منهما دار التمام والفعلية ، وحصول الثمرات وحصاد المزروعات .
وقد أفاد قدّس سرّه هذا المطلب الأرفع الأعلى في عدّة مواضع من الأسفار فراجع إلى ص 17 ، وص 21 ، وص 97 ، وص 131 من ج 9 .
وإذا دريت أنّ الصورة الإنسانية هي مجموع صور عالمي الأمر والخلق فادر أيضا أنّ الإنسان إذا كان مراقبا لقلبه وحارسا له عن ولوج الأجانب والأغيار ، وناظرا إلى ربّه ومستشعرا جانب اللَّه عزّ وجلّ ومنصرفا بفكره إلى قدس الجبروت مستديما لشروق نور الحقّ في سرّه يلوح له ملكوت
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 296
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٩٦