يصحّ له أن يعلمها فليست هي عالمة بشيء أصلا ولا لشيء أن يعلمها بعينها كما هي فهي إذا معلومة بالقوّة بمعنى أن في قوّتها أن ينتزع منها عالم صورا فيعلمها أي يتصور بمثل صورها لاستحالة انتقال المنطبعات في الموادّ فالمعلوم بالذات من كل شيء ليس إلَّا صورا إدراكيّة قائمة بالنفس متّحدة معها لا مادة خارجيّة .
فالمعلوم بالفعل ليس إلَّا لعالمه فكل عالم معلومه غير معلوم عالم آخر وهو في الحقيقة عالم وعلم ومعلوم ، هذا .
والمقصود من التعرض بهذه التفصيلات التنبيه إلى الفكر في معرفة النفس وكيفيّة الترقي منها إلى معرفة الربّ ، والاستدلال بما يستحكم به تصديق ذلك وأن يتفطَّن المبتدي لأصول تنفع في فكره ، وإلَّا فليس كيفيّة التفكر إلَّا أن يشتغل المتفكر تارة لتجزية نفسه ، وأخرى لتجزية العالم حتّى يتحقّق له أن ما يعلمه من العالم ليس إلَّا نفسه وعالمه لا العالم الخارجي ، وأنّ هذه العوالم المعلومة له إنّما هو مرتبة من نفسه وحتّى يجد نفسه لنفسه ما هي ثمّ ينقّى عن قلبه كلّ صورة وخيال ويكون فكره في العدم حتّى تنكشف له حقيقة نفسه أي يرتفع العالم من بين يديه ويظهر له حقيقة نفسه بلا صورة ولا مادّة ، وهذا هو أوّل معرفة النفس ولعلّ إلى ذلك أشير في تفسير قوله تعالى : * ( أَفَمَنْ شَرَحَ الله صَدْرَه لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّه ) * ( الزمر : 24 ) حيث سئل عنه وقال عليه السّلام : نور يقذفه اللَّه في قلبه فيشرح صدره ، قيل : هل لذلك من علامة قال عليه السّلام : علامته التّجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل حلول الفوت .
ولعلّ العامّة لا يعتقدون في معنى التجافي إلَّا الزهد في شهوات الدنيا ، ولا يتصوّرون معنى للتجافي الحقيقي الَّذي هو ارتفاع الغرور الواقع في هذا العالم لأهله وعدم رؤية الأشياء كما هي الَّذي هو شأن العامّة الَّذين لم يبلغوا بعد معرفة النفس بهذه المعرفة ، انتهى ما أردنا من نقل كلامه نوّر اللَّه تعالى رمسه . وقد أجاد فيما أفاد وكتابه في لقاء اللَّه ممتّع جدّا للَّه درّه مؤلَّفا .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 295
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٩٥